كشفت عن هياكل تنظيمية غير قادرة على تحقيق الصالح العام

كشفت عن هياكل تنظيمية غير قادرة على تحقيق الصالح العام

دراسة حديثة توصي بإعادة تأهيل الجمعيات والعاملين فيها مؤسسياً وتنظيمياً
في بلدان اعتناق التطور الديمقراطي والبذخ التنموي، تجد المجتمع المدني يقف رافعة أساسية خلف هذا التطور المتصاعد، وحاملاً اجتماعياً لكل قيم التغيير الإيجابي، وهي حالة مغايرة لما تعيشه بلدان الديمقراطيات الناشئة والمتعثرة كاليمن التي تمثل باستحقاق رجعي بيئة طاردة لكل تطور وما هو جميل واستنبات ما هو أقبح.
وكنتيجة طبيعية لهذا التعثر الديمقراطي الناجم عن معثرات تستمد وجودها وحيويتها من السلطة الحاكمة المهيمنة على كل مفاصل الدولة والمجتمع، تحولت مؤسسات المجتمع المدني إلى هياكل تنظيمية شكلية غير قادرة على تحقيق المصالح والقيام بدورها المفترض (إلا ما ندر ولا حكم له).
ما سبق كانت خلاصة دراسة حديثة تقييمية استشرافية، ذهبت تستكشف سكون المرأة ضمن مدخلات التأسيس والتوجه والاهتمام الأولي والمستقبلي والاستعداد لعدد من منظمات المجتمع المدني غير الحكومية متعددة المشارب، فعادت بفاجعة بأن لا وجود حقيقياً لهذه الجمعيات على الواقع سوى مسميات ودون مقرات، فضلاً عن سكون المرأة فيها، فقد كانت فاجعة أخرى لم تقل أسى وإحباطاً عن سابقتها.
الدراسة التي نفذتها المؤسسة اليمنية للدراسات الاجتماعية بالشراكة مع صندوق الوقفية الأمريكية (NED)، وأطلقتها الاثنين الماضي في ندوة تقييمية بعنوان “تنمية ثقافة الديمقراطية وحقوق المرأة في المجتمعات المحلية: إشهار وتقييم نتائج دراسة دور الجمعيات الأهلية الحالي والمفترض”، في مرحلتها الأولى كشفت عن هوية مشوهة تعيشها الجمعيات الأهلية، وتصدعات في وعيها، خاصة في ما يتعلق بحقوق المرأة المرتبطة بالذات الإنسانية، وفي سياقها القيمي، وهو ما عكس آثاره السلبية على أدائها وتفاعلها مع الاحتياجات المجتمعية.
فمن بين 7045 منظمة تقول عنها الدراسة وفقاً لإحصائية رسمية حتى 31 ديسمبر 2009، اختار الباحثون الميدانيون 36 جمعية أهلية غير حكومية في 4 محافظات هي: عدن، تعز، لحج، وأبين، أظهرت جميعها تناقضات واضحة في أجوبتها، وكذا تفاعلها مع قضايا النوع الاجتماعي. ففي بحث أسباب التأسيس للجمعيات محل الدراسة، أظهرت الجداول أساس القرابة ضمن أسس التأسيس، إلى جانب التنموي والخيري الذي حصل على أعلى النسب (26? و20?)، إلى جانب الحقوقي (15?)، ثقافي (13?)، تعاوني 9?، وهي تكرارات -بحسب الدراسة- متناثرة تفتقر إلى التكامل ولا تحمل وضوحاً، واعتبرت المرأة موجودة ضمن هذه الأسباب، لكن عندما تم بحث الدوافع الذاتية والموضوعية لنشأة هذه الجمعيات تماهت المرأة، وظهر بناء وتوعية قدرات الشباب أولاً بنسبة هي الأعلى (17?) لدى 12 جمعية، فيما حل دافع مكافحة الفقر ثانياً بنسبة 15? لدى 11 جمعية، ثم احتياجات المنطقة ثالثاً بنسبة 10?، وهكذا أخذت الدوافع تتفاوت من جمعية لأخرى بشكل متناقض مع أسباب التأسيس، وهو ما عكس وعياً غائباً في فهم القائمين على هذه الجمعيات في ماهية العمل المدني وكيفية إدارته.
وفي ما يخص المرأة في دوافع النشأة الحقيقية للجمعيات المبحوثة، لم تظهر إلا بنسبة 4? لدى 3 جمعيات في دافع التمكين الاقتصادي للمرأة بعيداً عن الجانب الحقوقي، ويزيد الأمر ظرافة أن من بين الجمعيات المبحوثة 13 جمعية نسوية.
وحل دافع تحقيق حقوق المواطنة المتساوية ودعم المرأة ثقافياً وتنموياً ومناهضة العنف ضدها، وإيجاد حراك ثقافي بنسب هي الأدنى في جداول الدراسة بلغت 1?.
الدراسة التي تركزت على مستويين، كما أشار الدكتور عبدالباقي شمسان الذي قام باستعراضها في الندوة؛ المستوى الأدبي الوثائقي، والآخر المستوى الميداني، خرجت بفوارق بين نسبة المرجعيات الحقوقية التي تستند إليها الجمعيات وأنشطتها، حيث بينت المؤشرات احتلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المكانة الأولى بنسبة 22.22?، يليه بنسبة 14.41? الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة إشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) الصادرة 1979، وبالمقابل نجد تدنياً في الاستناد على منهاج بيجين (5.6?)، فيما لم يجب على هذا السؤال وفقاً للدراسة 13 جمعية، بما يشير إلى أمية معرفية بهذه الاتفاقيات الدولية وأهميتها في شرعية انتزاع الحقوق والدفاع عنها.
وفي جانب الأولويات الحقوقية الحالية والاهتمامات المستقبلية، ذكرت الدراسة حضور هيمنة قضايا المرأة لدى أولويات الجمعيات، وهو ما أعطى انطباعاً إيجابياً، لكن هذا الانطباع -بحسب الدراسة- انهد تماماً في جانب الاهتمامات المستقبلية، حيث تغير بكيفية فارقة وصلت إلى اهتمامات خارج النشاط الجمعياتي؛ كإيجاد مقر للجمعية وإيجاد مصدر دخل لها، فيما ما شغلت المرأة فيه حيزاً في أولويات العمل المدني لدى الجمعيات المدروسة، أظهرت النتائج هيمنة العمل الخيري الذي يقف عند حدود تقديم المساعدة المادية والمعنوية، ولا يتجاوز إحداث تحول جوهري في أوضاع النساء والأسر، بما أعطى للجمعيات دوراً تهميشياً وسيطاً بين أهل الخير والمحتاجين.
وعندما وضعت الجمعيات أمام خيار استهداف المرأة فقط، وفتح مجالات لاستهدافها، خلصت الإجابات إلى ما يشبه الظرافة والفكاهة، حيث تركزت بالغذاء والكساء والإفطار في رمضان وتعليمها الكوافير بنسب أعلى من استهدافها بالتعليم ومحو أميتها والصحة الإنجابية والتوعية بمخاطر الزواج المبكر وتنظيم النسل والتسرب من المدارس، وهي ميزة متأخرة قدمت الجمعيات بدور التموين البطني والاهتمام بالبطن أكثر من العقل، وهو ما لا يتناسب مع الحاجة القائمة والملحة للمرأة اليوم التي تمثل في الإحصاء السكاني للعام 2004 ما نسبته 51? من إجمالي عدد السكان في الجمهورية، وتحتاج إلى الحقوق والحرية وإيقاف التهميش والتمييز والعنف ضدها أكثر من حاجتها إلى المأكل والمشرب.
وأشارت الدراسة إلى التباس كبير لدى أغلب الجمعيات الأهلية بقضايا النوع الاجتماعي.
وذكرت الدراسة عدداً من المعوقات الأساسية التي تعيق مشاركة المرأة في الشأن العام، وجاءت في مقدمة هذه المعوقات المواقف السلبية تجاه المرأة وتبعيتها للرجل بنسب 25?، و22.6?، إلى جانب عزوفها الذاتي عن ممارسة النشاط في الشأن العام وخاصة السياسة، ومعوقات أخرى.
وكانت المعطيات الإحصائية للدراسة أشارت إلى معوقات رئيسية لهذه الجمعيات غير الحكومية، أهمها صعوبات التمويل، وغياب ثقافة العمل الطوعي بشكل خاص، ومعوق آخر يتمثل بالمؤسسي المتعلق بعدم قدرة المنظمات على إيجاد دعم ثابت، وصعوبات الحصول على المنح، وضعف المهارات، وارتفاع نسب الجمعيات التي تعتمد على التبرعات وفاعلي الخير.
وخرجت الدراسة بعدد من التوصيات أهمها ضرورة إعادة تأهيل أغلب الجمعيات الأهلية في مجالات متعددة مؤسسياً وتنظيمياً، ورفع قدرات العاملين فيها بما يسهم في رفع جودة الأداء ويراكمه، منبهة إلى أن التخلي عن ذلك يجعل من هذه الجمعيات عبئاً ووجوداً غير مؤثر، إلى جانب إعداد برامج توعوية عن العمل الطوعي لرفع روح العمل الطوعي والتزاماته لدى الناشطين المدنيين.
وأوصت بتعزيز التعاون والتكامل بين الجمعيات الأهلية الناشطة في مجال الخير والمجال التنموي في إطار شبكات وطنية وإقليمية ودولية، في إشارة إلى ما بات يمثله التشبيك في العمل المدني من أهمية في التأثير، باعتبار العصر الحالي هو عصر التكتلات، وهو ربما ما استجابت له الجمعيات محل الدراسة، والتي حضرت الندوة بسواد نسائي تميز به الحضور مقارنة بالذكور، ليتم إطلاق شبكة في ختام الندوة حملت اسم “شبكة تنمية ثقافة الديمقراطية وحقوق المرأة في المجتمعات المحلية”، ضمت في بنيتها التكوينية 30 جمعية قابلة للإضافة والزيادة والتنوع التخصصي.
وكان المدير التنفيذي للمؤسسة اليمنية للدراسات الاجتماعية بشير المقطري، ألقى في مستهل الندوة كلمة دعا فيها إلى الاعتراف بحقوق المرأة كإحدى ركائز الدولة المدنية الحديثة، ومغادرة المربع الجدلي في تصريف هذه الحقوق الإنسانية، مبدياً أملاً فسيحاً في أن تنال المرأة كافة حقوقها.
وأشار إلى أهمية الدراسة كأول دراسة نوعية قامت بها المؤسسة اليمنية تعمقت بالنوع الاجتماعي لأدبيات وأنشطة الجمعيات الأهلية في المحافظات الأربع (عدن، تعز، أبين، ولحج)، في إطار مشروع متكامل لتنمية حقوق المرأة حد قوله، مضيفاً أن الدراسة عملت على التركيز على الدور الذي تلعبه ويمكن أن تلعبه مستقبلاً الجمعيات المحلية المختلفة عند حديثها عن حقوق المرأة في مجتمعها المحلي.
واستعرض المدير التنفيذي المراحل التي تم بها إنجاز الدراسة التي مرت -حد تعبيره- على الكثير من المسائل والمعطيات المؤدية إلى فكرة واضحة لموضوع الدراسة.