إلى بنكي المركزي في عدن وصنعاء: تعالوا إلى كلمة سواء

البنك المركزي اليمني (صورة مدمجة النداء)
البنك المركزي اليمني (صورة مدمجة النداء)

في ظل الانقسام والتشظي الذي يعيشه وطننا اليمني، يُنظر إلى مؤسسة البنك المركزي، ككيان مستقل عن السلطة التنفيذية ومحكوم بالقوانين واللوائح والأعراف والتقاليد المصرفية، باعتبارها المؤسسة الوطنية الرائدة والقادرة على المساهمة في إنقاذ الوضع الاقتصادي المتدهور بكل احترافية وموضوعية وحيادية، ويجب الإشارة إلى أن مؤسسة البنك المركزي خلال السنتين الأوليين للحرب (2015-2016)، فترة حكومة القائمين بأعمال الوزراء، ظلت مؤسسة وطنية متماسكة، وقامت بدور وطني خلاق في إدارة النفقات العامة الضرورية وأولها مرتبات موظفي الدولة في كل محافظات الجمهورية.

كما أن الآمال معقودة على هذه المؤسسة أن تنأى بنفسها عن الانغماس في وحل الحرب المصرفية التي بدأت ملامحها تتصاعد في الآونة الأخيرة، فأمام هذه المؤسسة جدول أعمال وطني واسع وعميق، وعلى متخذي القرار فيها، في كل من عدن وصنعاء، أن يدركوا حجم المسؤولية الملقاة على عواتقهم، والعمل على معالجة العديد من التحديات والاختلالات التي أصابت الاقتصاد الوطني وقطاعاته المختلفة بشكل عام، وأثقلت كاهل المواطن اليمني في عموم المحافظات والمديريات.

التحديات وجدول الأعمال

في ظل الظروف الراهنة، فإن مؤسسة البنك المركزي تستطيع أن تلعب دورًا محوريًا في الحد من الانقسام والتشطير القائم بالبلاد من خلال الآتي:
- إعادة الاعتبار للقوة الشرائية للريال اليمني، فبسبب تدهور سعر صرف الريال زادت مستويات الأسعار بشكل جنوني في كل من مناطق صنعاء وعدن، فهناك سعران للصرف، سعر يتصاعد في مناطق عدن، بينما في مناطق صنعاء شبه مستقر، ولكنه مكبوت ووهمي، فأسعار السلع والخدمات في صنعاء تفوق عن مناطق عدن، باستخدام مؤشر القوة الشرائية للريال بين المنطقتين، وهنا أمام مؤسسة البنك المركزي مسؤولية قانونية ووطنية في معالجة هذا الاختلال، والعمل على توحيد العملة، وبالتالي توحيد سعر صرفها أمام العملات الأجنبية.

- تعزيز قدرات البنك المركزي للقيام بمهام الخزينة العامة للدولة، بمعنى أن يكون وعاءً أمينًا للموارد السيادية للبلاد من عوائد صادرات النفط والغاز وإيرادات الضرائب والجمارك والموارد الأخرى من القروض والمساعدات الخارجية، حتى تتمكن الدولة، أولًا، من الوفاء بالتزاماتها تجاه صرف مرتبات موظفي الدولة المنقطعة لأكثر من ثماني سنوات، وثانيًا في تغطية النفقات العامة على التشغيل وتمويل مشاريع التنمية بالبلاد.

- إن القطاع المصرفي في مناطق صنعاء أصبح في شلل تام بسبب التنفيذ القسري لقانون منع التعاملات الربوية، والذي قضى على مصداقية وثقة البنوك تجاه المودعين والمقترضين، كما أنه ألغى العوائد المتراكمة لودائع المدخرين لدى البنوك، وعلى الفوائد المتراكمة لدى المقترضين من البنوك، بالإضافة إلى الأهم، وهو شطب الفوائد المتراكمة على أذون الخزانة وعلى السندات الحكومية، والتي كانت تمثل التزامات لدى البنك المركزي للجهات المستثمرة (البنوك، صناديق التقاعد، وغيرها) في تلك الأوراق والأدوات، وكل هذا أدى إلى تفاقم مشكلة ندرة السيولة في القطاع المصرفي.
وهنا يأتي دور مؤسسة البنك المركزي في توحيد الجهود لمعالجة هذا الخلل المميت، ووضع الحلول للوفاء بالتزامات الحكومة، ممثلة بالبنك المركزي، نحو المستثمرين في أذون الخزانة والسندات الحكومية، والتي تقدر بأكثر من 5 تريليونات ريال (قيمة الأذون والسندات + الفوائد المتراكمة عليها لأكثر من 20 سنة)، إضافة إلى معالجة مشكلة المدخرات وفوائدها لدى البنوك، فقد أصبح المودعون عاجزين عن استرداد أصل ودائعهم ذات العائد من البنوك، والتي بلغت حوالي 2.2 تريليون ريال في 2014، ناهيك عن العوائد التي بلغت 230 مليار ريال سنويًا، كما أن البنوك غير قادرين على استرداد قروضهم لدى المستثمرين، والتي تقدر بحوالي تريليوني ريال، وكانت البنوك تحصل على عوائد منها بمقدار 440 مليار سنويًا، والتي تبخرت بسبب قانون منع التعاملات الربوية، بمعنى آخر، إن أمام مؤسسة البنك المركزي مسؤولية جسيمة في قدرته على معالجة الأخطاء الكارثية التي سببتها سلطة صنعاء على القطاع المصرفي، ومعالجة مشكلة ندرة السيولة التي تعاني منها البنوك بسبب تجميد أو تبخر أرصدتهم لدى بنك مركزي صنعاء.

لا مجال للمناكفات

على قيادات البنك المركزي في كل من عدن وصنعاء أن يدركوا حجم المهام المنوطة بهذه المؤسسة في الوقت الراهن، وألا يدخلوا في صراع مصرفي تكون نتائجه وخيمة على البنوك وعلى النشاط التجاري والاستثماري في البلاد، فبنك مركزي صنعاء تجاوز الأطر القانونية عندما قام بسك العملة المعدنية فئة مائة ريال دون التنسيق والتشاور مع بنك مركزي عدن، وقد أثبتت الأيام أن ذلك العمل أشبه بالقفز في الظلام، فبعد مرور قرابة شهرين على الإصدار النقدي يكاد يكون تأثيره صفرًا، فالعملة التالفة ماتزال قيد التداول وبكثافة، بينما اختفت العملة المعدنية، ويُخشى أن سوق الصياغة اكتشف أن قيمتها كمعدن أكبر بكثير من قيمتها كنقد، كما أن مناطق صنعاء تعاني من ندرة شديدة في توفر الدولار، وأصدرت مؤخرًا تعميمًا يشرعن لسعودة العملة باستخدام الريال السعودي بدلًا عن الدولار في تسوية التحويلات والمدفوعات المالية، مما أربك عمل البنوك والصرافين والتجار والمستفيدين من التحويلات بشكل عام.

وبالمقابل، فقد جاء قرار بنك مركزي عدن بضرورة نقل المراكز الرئيسية للبنوك إلى عدن كرد فعل لما قام به بنك صنعاء، ومن المؤكد أن بنك عدن لديه من القوة لتنفيذ القرار عن طريق التحكم بنظام سويفت أو عبر منع البنوك من المشاركة بالمزاد العلني الدوري للدولار وغيرها، ولكن يتطلب الأمر من بنك عدن التعامل مع موضوع النقل بحكمة وروية، وأخذ مخاوف قيادات البنوك بعين الاعتبار، وبخاصة المخاطر الناشئة عن عملية النقل، سواءً كانت مخاطر التشغيل أو المخاطر الفنية والإدارية والقانونية أو المخاطر المالية، فالقطاع المصرفي، في الوضع الراهن، يواجه تحديات مقلقة مرتبطة بتدهور الجدارة الائتمانية للبنوك وفقدان الثقة بالقطاع المصرفي لدى التجار ورجال الأعمال وجميع المتعاملين مع البنوك، والحاجة ماسة لمعالجة تلك التحديات، وعدم إضافة صعوبات ومعوقات أخرى.

مقترح للتنفيذ

في ظل الهدنة، يُعوّل على مؤسسة البنك المركزي في كل من عدن وصنعاء أن تعمل على إنجاز الهدف الرئيسي للبنك، والمتمثل في تحقيق استقرار الأسعار والمحافظة على ذلك الاستقرار، وتوفير السيولة المناسبة والملائمة على نحو سليم لإيجاد نظام مالي مستقر يقوم على آلية السوق، ولا يتأتى تحقيق هذا الهدف إلا في ظل مؤسسة سيادية موحدة ذات علاقة بإدارة السياسات المالية والنقدية، وتحديدًا البنك المركزي. وهذا يعتمد على درجة بناء الثقة بين طرفي الصراع، وعلى رغبتهما في اعتبار الهدنة "مرحلة انتقالية" يتم فيها إعادة بناء بعض المؤسسات السيادية وتوحيدها وضمان حياديتها عن الصراع، على أن يتم بعدها الدخول في حوار جاد للانتقال إلى توحيد البلاد والدخول في مرحلة السلام والاستقرار.

وأولى هذه الخطوات التوافق على توحيد البنك المركزي للقيام بمهام الخزينة العامة للدولة، وهذا الأمر يتطلب مفاوضات وحوارات مباشرة بين حكومتي صنعاء وعدن لتوحيد البنك وضمان حياديته عن الصراع، فالقانون رقم 14 لعام 2000م وتعديلاته في عام 2003م ينظم عمل البنك المركزي، ويعطي صلاحيات واسعة لمجلس إدارة البنك، فهو المسؤول عن التوجيه والإشراف الكامل على سياسات وإدارة عمليات البنك، ولذلك يتطلب الأمر التوافق على الترتيبات المؤسسية والإدارية والتنظيمية للبنك، تشمل الآتي:
- تشكيل مجلس إدارة مشترك للبنك المركزي وتوسيعه بحيث يكون بنك صنعاء ممثلًا فيه، إضافة إلى تقاسم منصبي المحافظ والنائب بين البنكين، بهدف إدارة البنك بصورة مشتركة، ويمكن أن يتحدد مكان الاجتماعات الدورية لمجلس الإدارة في صنعاء أو في عدن أو في إحدى العواصم العربية خارج اليمن.

- تكون عدن المقر الرئيسي للبنك المركزي، باعتباره المؤسسة المعترف بها دوليًا، والمرتبط بنظام "سويفت" -SWIFT- للتحويلات الدولية من المؤسسات والشركات الأجنبية، وفي مرحلة السلام سينتقل المقر إلى صنعاء، عاصمة اليمن الموحد.
- تفعيل الربط الشبكي الإلكتروني بين البنكين وجميع الفروع في كل المحافظات، لضمان تدفق البيانات والمعلومات عن تحصيل الموارد السيادية من جميع المحافظات.

وبالتأكيد، فإن هذه الترتيبات تتطلب الدعم الفني والمؤسسي، وهذا يحتاج إلى التنسيق والتعاون مع كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين يمتلكان الخبرات الفنية والاستشارية، إضافة إلى مصادر التمويل، لدعم جهود البنكين في توحيد السياسة النقدية وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي، وخلال سنوات الحرب، ساهمت هذه المؤسسات في رعاية الحوار بين قيادات البنكين، وماتزال جهودهما مستمرة حتى الوقت الراهن.
وفي ضوء تلك الترتيبات والدعم الفني، سيقوم البنك المركزي، ممثلًا بمجلس الإدارة، بالآتي:
- إدارة السياسة النقدية بصورة سليمة لضمان توفير السيولة المالية والحد من التضخيم وضمان استقرار سعر الصرف.
- الامتناع عن الإصدار النقدي إلا وفق ضوابط فنية ومتطلبات اقتصادية.
- إدارة حسابات الحكومية المحتوية على الموارد السيادية من عوائد صادرات النفط والغاز والضرائب والجمارك وغيرها سواء كانت بالنقد المحلي أو الأجنبي، وأقساط القروض والإعانات الخارجية.
- تسهيل الصرف على بنود النفقات العامة، وأهمها دفع المرتبات لجميع موظفي الدولة في عموم المحافظات، إضافة إلى تغطية نفقات التشغيل والنفقات الاستثمارية وغيرها.

ويمكن استخلاص الدروس المستفادة من تجربة الهدنة في الحرب الأهلية الليبية، حيث توافق أطراف الصراع مؤخرًا في كل من طرابلس وبنغازي، وبضغوط من الراعين الدوليين، على تحييد كل من البنك المركزي الليبي والمؤسسة الوطنية الليبية للنفط، التي تحملت مسؤولية إنتاج النفط وتصديره وتوريد عوائده إلى البنك المركزي، الذي بدوره يتكفل بتوزيع تلك العوائد على كل من حكومة طرابلس وحكومة بنغازي، لتغطية النفقات على مرتبات موظفي الدولة في مناطق سيطرة الطرفين، وأيضًا تمويل نفقات الخدمات العامة في كل مناطق ليبيا.