الاقتصادي علي الوافي يتحدث لـ”النداء” حول الإصلاحات الاقتصادية:

الاقتصادي علي الوافي يتحدث لـ”النداء” حول الإصلاحات الاقتصادية:

الحكومة مهددة بالانهيار المالي خلال عامين
استبعد الاقتصادي الأستاذ علي الوافي حدوث أي إصلاحات اقتصادية بعيدا عن إصلاحات شاملة وواسعة لبنتها الأساسية الإصلاحات السياسية.
وتحدث الوافي في هذا الحوار الذي أجرته معه “النداء” عن مخاطر تراجع العائدات النفطية وأثرها على الاستدامة المالية للحكومة، معتبرا أن ذلك سيُحدث عجزاً كبيراً بالموازين الاقتصادية الكلية لليمن.
ورأى أننا بحاجة لتغيير المعادلة السياسية القائمة ابتداء بتعديلات دستورية تؤدي إلى إيجاد ديمقراطية حقيقية لا شكلية تتسع مساحتها لتشمل الجميع، وتؤدي إلى إيجاد حكومة كفؤة، وإدارة كفؤة لموارد البلاد.
واقترح الوافي 4 حلول لتفادي انهيار الاقتصاد الوطني والأوضاع العامة في البلد، تتمثل بتنفيذ إصلاحات مؤسسية شاملة تأتي عبر توافق وطني من خلال حوار وطني شامل، ومن ثم حشد جميع الموارد البشرية والمالية واستخدامها الاستخدام الأمثل، وتهيئة المناخ الاستثماري لاستقطاب الاستثمارات الخارجية، والإبقاء على الاستثمارات المحلية، وتحقيق شراكة اقتصادية مع دول الخليج بعد تهيئة المناخ المناسب لذلك.
وفي هذا الحوار يتحدث الوافي عن قضايا هامة تتعلق بالفساد والأزمات النفطية وفشل حكومات الحزب الحاكم في انتشال أوضاع البلد من الأزمات المتكررة.. نترككم مع تفاصيل الحوار:
> حوار: أشرف الريفي
> كيف تقرأ نتائج مؤتمر الرياض في دعم الاقتصاد ومنظمومة الإصلاحات في البلد..؟
– المؤتمر الأخير في الرياض كان أقل بكثير من التوقعات التي رُسمت حوله، ولم يكن في الحقيقة مؤتمرا بقدر ما كان اجتماعات للجان فنية تدارست الأسباب التي حالت دون استخدام الأموال التي تعهد بها المانحون في مؤتمر لندن عام 2006. ولم يكن هناك أي موضوع آخر تم تناوله، ربما فقط اليمن تقدمت بمقترحات حول التمويلات الخارجية المطلوبة للخطة الخمسية 2011 – 2015، فاليمن كانت محل استيضاح عن عجزها لعدم استخدام 90% من هذه الأموال.
> هناك منظومة إصلاحات أوصى بها مؤتمر لندن بناء على توصيات البنك الدولي وبدأت الحكومة بتنفيذها منذ العام 95..
– للأسف الشديد أننا أمضينا أكثر من عقد من الزمن في الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والمالية ولم تستكمل، واقتصرت على جوانب معينة، خاصة في إطار رفع الدعم التدريجي عن المشتقات النفطية، إلى جانب أنه كان هناك إصلاحات نقدية وحققت قدراً من النجاحات في هذا الجانب، وهذا لم يكن يعود إلى الإصلاحات بدرجة رئيسية، وإنما إلى زيادة العائدات النفطية التي مكنت الحكومة من المحافظة على الاستقرار المالي والنقدي بصورة معقولة خلال الفترة الماضية، لكن الإصلاحات الاقتصادية المرتقبة لم تتم، بل إن هناك اختلالات أشد من العام 95، ونفس الأمر الجوانب التي تحقق على مستواها نوع من النجاحات، خصوصا على المستوى النقدي، هي مهددة للعودة إلى ما قبل 95، وما تذبذب سعر الريال أو اتجاهه نحو الهبوط، إلا مؤشر أساسي على هذا الأمر، خاصة في حالة تراجع العائدات النفطية، وهو يهدد الاستدامة المالية للحكومة، ويهدد بحصول عجز كبير بالموازين الاقتصادية الكلية لليمن، سواء ميزان المدفوعات أو الميزان التجاري أو الحساب الجاري، وبالتالي الميزان الكلي.
> من وجهة نظرك ما هي الأسباب الرئيسية التي حالت دون نجاح الحكومة في تحقيق الإصلاحات المرجوة..؟
– الأسباب كثيرة، وبداية ما كنا نقوله ويقوله الكثيرون، والمؤسسات الدولية أيضا أن الإصلاحات لابد أن تكون شاملة، فهي منظومة متكاملة وليست انتقائية، فالإصلاحات الشاملة لم تتم بسبب عدم وجود إرادة سياسية لإمضاء هذه الإصلاحات. الأمر الآخر حتى الإصلاحات الاقتصادية التي تمت، أُنجزت على يد آليات غير كفؤة وفاسدة هي سبب رئيسي من أسباب هذه الاختلالات، فكيف بها أن تقوم ما اعوج على يدها، فلذلك نحن اليوم بحاجة لمصفوفة إصلاحات أوسع وأشمل، والمشاكل كل يوم تتعقد، والاختلالات تتزايد، بل إن هناك تحديات كبيرة اليوم لم تواجهها اليمن منذ قيام دولة الوحدة، وهي تهدد بفشل الدولة وسقوطها، وانزلاقنا نحو الفوضى لا قدر الله. إذن نحن بحاجة لإصلاحات شاملة تنتج عن توافق وطني، وتؤدي إلى شراكة وطنية لتحمل هذه الأعباء وحشد الموارد لمواجهة تلك التحديات.
> في ظل تفشي الفساد بشكل كبير ومؤتمر الرياض أشار إلى أن الفساد سبب رئيسي من أسباب فشل الإصلاحات..
– لاشك أن الفساد عامل رئيس حال دون تحقيق الإصلاحات، وأدى إلى هدر كثير من الموارد. وحقيقة الفساد هو منتج من منتجات المعادلة السياسية القائمة، ولذلك نحن بحاجة لتغيير المعادلة السياسية القائمة ابتداء بتعديلات دستورية تؤدي إلى إيجاد ديمقراطية حقيقية وليست شكلية، ديمقراطية تتسع مساحتها لتشمل الجميع، وتؤدي إلى إيجاد حكومة كفؤة وإدارة كفؤة لموارد البلاد، وتكون هذه الحكومة ناتجة عن رضا شعبي، وبالتالي يمكن حل كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إذا ما تم هذا الأمر، وبدونه لا يمكن تحقيق إصلاحات اقتصادية في أي جانب، لأن المؤسسات السياسية هي التي تضع القواعد الحاكمة للمؤسسات ومنها الاقتصادية، فلا يمكننا التصور لإصلاحات اقتصادية بدون إصلاحات سياسية.
> تكررت خلال الفترة الأخيرة أزمات انعدام مادة الغاز، والمشتقات النفطية، كيف تفسر ذلك..؟
– حقيقة الفساد.. اليمن حصلت على أكثر من 25 مليار دولار خلال فترة السنوات السبع السابقة من الصادرات النفطية فقط، وليس من المبيعات المحلية. كان يمكن تخصيص أقل من 500 مليون دولار لإيجاد محطات كافية لتسهيل وتعبئة الغاز لما يكفي الاستهلاك المحلي. لم يتم التخطيط لذلك، ولم يتم تخصيص الموارد لذلك، وكذلك الكهرباء، يبحثون عن تمويل خارجي ب200 مليار دولار، ويبحثون عن مستثمر استراتيجي لبناء محطة غازية، وبددنا عشرات المليارات من الدولارات ولم نعمل ذلك. ففي هذا البلد لا يتم تخصيص الموارد في هذه البلاد بشكل صحيح، ولم يتم التركيز على الإنفاق التنموية، وإنما الأمنية والعسكرية والسياسية، وكثير من النفقات غير المبررة، وهي التي استحوذت على جزء كبير من الإنفاق العام.
> من وجهة نظرك ما الذي يحتاجه الاقتصاد الوطني للنهوض، والتخلص من الوضع الحالي..؟
– الاقتصاد الوطني ومجمل الأوضاع تحتاج إلى تنفيذ إصلاحات مؤسسية شاملة تأتي عبر توافق وطني من خلال حوار وطني شامل أولا، ثانيا بعد ذلك يتم حشد جميع الموارد البشرية والمالية واستخدامها الاستخدام الأمثل، بمعنى تحقيق إدارة اقتصادية رشيدة وكفؤة للموارد، ثالثا تهيئة المناخ الاستثماري لاستقطاب الاستثمارات الخارجية، والإبقاء على الاستثمارات المحلية داخل البلاد بدلا من الهجرة إلى الخارج، رابعا تحقيق شراكة اقتصادية مع دول الخليج بعد تهيئة المناخ المناسب لذلك، لأننا في كل الاحوال بحاجة للدعم الخارجي نتيجة لأن الموارد مهما كانت فهي تعجز عن الإيفاء عن كل الحاجات، خاصة مع تراجع الإيرادات النفطية بشكل مستمر مع نضوب النفط.. هذه أهم العناصر تقريبا التي نريدها باختصار شديد لمنع الفشل وإنقاذ الوضع، ولتحقيق قفزة في العملية التنموية. وبدون ذلك فنحن على شفا حفرة من الأخطار.
> البعض يرى أن الحكومة تعول على الدعم الخارجي بدون توجه حقيقي للإصلاح الداخلي..
– هذه الحكومة وغيرها من حكومات الحزب الحاكم العاجزة عن انتشال الأوضاع، هي التي تقودنا إلى حالة الفوضى والفشل لا قدر الله، وخاصة استمرار هذا المسار فسيقودنا إلى هذه النهاية، وكما قيل إنه في مؤتمر لندن تم مناقشة كم سيبقى من الوقت حتى تتحول اليمن من دولة هشة إلى دولة فاشلة، هل يبقى عامان أو أكثر. والحقيقة العملية مرتبطة بموضوع الاستدامة المالية، الحكومة مهددة بالانهيار المالي خلال عامين بسبب تراجع إنتاج النفط وبالتالي العائدات، الأمر الآخر المتعلق بالمساعدة الخارجية.. صحيح أن اليمن بحاجة لموقف دولي موحد لمساعدتها، يبدأ من الضغط على السلطة لتحقيق توافق وطني وإصلاحات شاملة، وإذا غض الخارج الطرف عن الإدارة الفاشلة للبلاد، فمعنى هذا أنه يدعمها باتجاه الاستمرار في الفساد، وليس من التعقل أبدا أن يحدث ذلك. وما لاحظناه في مؤتمر لندن واجتماع الرياض وما نتوقعه من مؤتمر ألمانيا في الشهر الجاري، أن يحدث مزيد من المساءلة والضغط على الحكومة لتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية، ومن ثم يمكن أن تكون هناك عملية تنموية في البلاد، وهنا يأتي دور الخارج لتمويل المشروعات التنموية. هذا هو الموقف الدولي الإيجابي الذي نتصوره.
> تحدثت عن انهيار اقتصادي وشيك كيف لنا تحاشيه..؟
– لا يمكن تحاشي هذا الانهيار كاملا، ولكن التخفيف منه، لأنه كان يفترض أننا خلال السنوات الماضية عملنا على إيجاد البدائل كمصادر للدخل نحو الخزينة العامة، ولا نعتمد على النفط الذي أصبح يمثل في السنوات الأخيرة 75% من الإيرادات العامة، لكن للأسف الشديد هذا لم يحدث، ولذلك البدائل محدودة جدا، وبدون إصلاحات لا يمكن تحقيق هذه البدائل، فمثلا الضرائب، الطاقة الضريبية التي يمكن أن تحصل من خلال الأوعية الضريبية القائمة تفوق تريليون ريال، والضرائب المحصلة الآن في حدود 350 ملياراً، لا يمكن أن تحقق إدارة ضريبية كفؤة أو أن ترفع كفاءة آلية التحصيل الضريبي والجمركي… إلا بوجود إدارة كفؤة، ولن تأتي إلا من خلال إرادة سياسية لإمضاء إصلاحات، إذن هذه أحد البدائل المتاحة، لكن لا يمكن أن يحقق إلا بإصلاحات. البديل الآخر كبديل رئيس هو الدعم الخارجي، ومعه اتضح أننا غير قادرين على استيعاب 5 ملايين دولار، وبحدود 3 سنوات استوعبنا أقل من مليار دولار، فكيف بنا اذا ما منحنا 20 مليار دولار كما نطالب، لا نستطيع أن نحصل عليه بسبب الاختلالات في كافة الأجهزة الحكومية المعنية في البلاد، ولذلك أقول إننا بحاجة إلى حلول إبداعية واستثنائية إذا أردنا إنقاذ الوضع أو التخفيف من وطأته، وبدون هذه الحلول نسأل الله أن يتداركنا بلطف من عنده..
> التشريعات الحالية هل تلائم النشاط الاقتصادي الآمن في البلد..؟
– إجمالا هناك عدد من التشريعات الجيدة، وهناك تشريعات بحاجة لتعديل، لكن لم نفعّل حتى الموجود، لأن القائمين على المؤسسات الدستورية التي يفترض أن تطبق القانون هم أول من ينتهك القانون، ويعملون على إيجاد الاختلالات الإدارية، وتجاوز الدستور، فهم لا يؤمنون بالدستور ولا بالقانون، ويعتبرون أنفسهم القانون والدستور والمؤسسات، نتيجة للفردية والشخصنة التي سادت الوضع الحكومي للأسف الشديد، وهو ما أدى إلى استفحال الأزمة، وسيؤدي إلى استفحال الأزمات أكثر، ما لم يتم تصحيح هذا الوضع وبصورة جادة وسريعة..
> هناك مظهر آخر من مظاهر الفساد يتمثل بالإعفاءات الجمركية.. كيف تقيم أضراره..؟
– هي مظهر من مظاهر الفساد، معظم الإعفاءات التي تمنح ليست ضرورية ولا مبررة، وتمنح لمن ليسوا بحاجة لإعفاءات.. الإعفاءات الجمركية يجب أن تكون محصورة في جوانب معينة، وعليها عملية رقابية شديدة، بحيث تكون محددة بقوانين وليس بتوجيهات عليا. وإذا ما تم تصحيح الوضع يمكن أن نوفر مئات المليارات من الريالات للخزينة العامة.
> كلمة أخيرة أو موضوع لم نتطرق إليه وترى أهمية الإشارة إليه..
– الحقيقة أن الأوضاع بمجملها وصلت الى طريق مسدود، والوضع الاقتصادي وضع كارثي بكل ما تعنيه الكلمة، إلا في حالة وجود مفاجآت كبيرة مثل حدوث استكشافات نفطية كبيرة غير متوقعة، وإن كان هذا الأمر بحسب الفنيين والأخصائيين غير متوقع، اليمن يتوقع أن تكون ربما سنتين أو 3 عاجزة عن امتلاك نفط لتصديره إلى الخارج، وبالكاد الإنتاج المحلي يكفي الاستهلاك المحلي، وربما في 2015 نصبح دولة مستوردة للنفط، وما لدينا من العملة الصعبة يومها ربما لن يكفي لاستيراد المواد الغذائية فقط. هذا الوضع مخيف جدا، لذلك أستغرب أن الذين بيدهم الأمر والقرار كيف بهم لا يزالون يتصرفون تصرفات عسكرية وأمنية إزاء مشاكل البلاد وكأن بقية الأوضاع ليست محل خطورة، رغم أن تزايد التحديات الأمنية ناتج بسبب رئيسي بجانب الإدارة السياسية المستأثرة بالسلطة، ناتج أيضا عن سوء الأوضاع الاقتصادية، هذان العاملان الأساسيان.. يعني تصحيح الوضع السياسي، للنهوض بالوضع الاقتصادي، وبقية الأوضاع، ينبغي ألا يتجاوزه صانع القرار في هذه اللحظة، وأن يستعين بكل الشركاء بالوطن للخروج بالبلد من أزماته، والاعتماد على العامل المحلي أساساً، والعامل الخارجي لن يكون إلا عاملاً ثانوياً.