لو كان لي سلطان لأطلقت سراح هشام باشراحيل

لو كان لي سلطان لأطلقت سراح هشام باشراحيل

* أ. د. سمير عبدالرحمن هائل الشميري
أشعر بغصة ألم في حنجرتي عندما أرى المثقفين وحملة الأقلام ورؤساء الصحف والمجلات يجرجرون إلى المحاكم ويتعرضون للمهانات والإذلال والخطف والقمع المادي والرمزي، ويحكم عليهم بالسجن وتكميم الأفواه وكسر الأقلام.
لو كان لي سلطان لأطلقت سراح الأستاذ هشام باشراحيل (رئيس تحرير صحيفة الأيام) ونجليه هاني ومحمد من السجن، لو كان لي سلطان لأوقفت محاكمة الصحفيين وحفظت آدميتهم وجعلتهم يعيشون بمنأى عن قبضة الخوف وزمهرير الوحشة وذل الحياة ومهانات القمع وكابوس القهر.
فالأستاذ هشام باشراحيل، يعاني من مرض القلب (لقد أجرى عملية القلب المفتوح)، والسكر، والضغط، وهشاشة العظام، وضعف البصر، وأمراض أخرى، ويعاني من مضض روحي.. فليس من العزة والشهامة الانقضاض على رجل جريح.
ماذا يعني أن نحاكم الصحفي على رأيه، عندما يحاول هز عرش التحجر، ويبتعد عن العقليات القديمة المدمرة لروح التسامح والحوار والاجتهاد؟
فالحكم على الأستاذ أحمد المغلس (رئيس تحرير “الثقافية”) ب3 أشهر سجناً مع وقف التنفيذ وإيقافه من العمل لمدة سنة كاملة، والسجن سنة كاملة للكاتب معاذ الأشهبي، أمر يحتاج إلى تمحيص ومراجعة، وقبل ذلك بقليل ولأول مرة في تاريخ الصحافة اليمنية يصدر حكم ضد قلم نسائي جريء حاول أن يخترق العتمة ويقاوم فساداً عميماً في المجتمع، ويشير بسبابته إلى الجرح والخلل العضوي والبنيوي والأخلاقي، وإلى الكائنات الجلفة التي تخطف اللقمة من أفواه الفقراء، فقلم المثقفة أنيسة محمد علي عثمان لا يساير الأهواء والشهوات، ومشحون بالمعاني والدلالات التنويرية ودقة الاستبصار.
وكم أنا حزين عندما أرى القتلة وقطاع الطرق وناهبي الأموال طلقاء لا يمسهم السوء، ويتمتعون بحرية مطلقة.
أصاب بكمد وتوجع عندما تتدهور حرية الكلمة والنهضة العقلية، وينتشر التعصب والجهل والاستبداد، “ما يؤذينا، ما يمزقنا، ما يبعثرنا، هو النظر إلى الخلف، أن نتطلع إلى الوراء ونفكر في ما جرى لنا، فلا نستطيع أن نقف للتأمل، ولا نقدر على التقدم إلى الأمام، فندور حول أنفسنا، نتقصى هنا وهناك أثراً لجريمة لم نرتكبها، ونتفحص دليلاً على ماضٍ سحيق، كأننا عمال آثار في حفريات البارحة” (يحيى جابر). إننا محاصرون بجهل وفقر وتعصب وتكفير وخوف، إننا محاصرون بترسانة من العادات والعقد الجاهلة، العادات القاتلة لحرية الفكر والكاتمة للنفوس.
وأكثر ما يدميني الرقابة الخشنة والتلصص الأرعن والقمع الفكري البليد ومصادرة الكلمة الجسورة، فلا نريد العودة إلى ذلك الزمن الذي عبر عنه الشاعر محمد محمود الزبيري:
الناس بين مكبل في رجله
قيد وفي فمه البليغ لجامُ
والاجتماع جريمة أزلية
والعلم إثم والكلام حرامُ
إن العيش في مناخات القهر والظلم والعسف يجلب أضراراً جسيمة للمجتمعات، ويترك فسحة ذهبية للنهب والقسوة والمكر والخداع والتكفير وشطحات اللامعقول والتلذذ بفاكهة الفساد والعنجهية والتعالي الأبله.
لقد قال مرة الأستاذ سعيد يقطين “المثقف العربي مهمش ومهشم دائماً. إذن المطلوب منه أن يمثل دور الشاعر المداح، وأن يكون كالبحتري الذي كان يمشي في موكب من العبيد. أما إذا كان غير هذا، وانخرط في السياسة، فلينتظر مصير الشعراء الذين نكل بهم، أو تعرضوا للحرق أو الإعدام لأنهم أعداء للحاكم وزنادقة، والتهم المسوغة للحكم جاهزة”. يقف المثقف والصحفي اليوم بين نارين محرقتين؛ نار العسف، ونار التكفير، فالمتربصون كثيرون، أعداء النور يكشرون بأنيابهم صوب الوجوه المستنيرة. إننا نعيش في زمن صعب معبأ بالإرهاب والعنف والتخويف، وهذا ما عبر عنه الشاعر صلاح عبدالصبور عندما قال:
“هذا زمن الحق الضائع
لا يعرف فيه مقتول من قاتله ومتى قتله
ورؤوس الناس على جثث الحيوانات
ورؤوس الحيوانات على جثث الناس
فتحسس رأسك
فتحسس رأسكـ”
لماذا لا ننظر إلى الأمام؟ ولماذا لا نسامح؟ ولماذا لا نوسع نافذة الحرية بدلاً من تضييق حجمها وجعلها كثقب إبرة؟ ولماذا لا نشجع العقول المتبصرة ونهجر الفضاء الخانق للحريات؟ لماذا لا نغادر أسوار الشمولية ونكف عن إهانة العقل وقص أجنحة الكلمات المشعشعة في دهاليز الظلام؟ ولماذا يقبع الأستاذ هشام باشراحيل ونجلاه هاني ومحمد في السجن دون محاكمة؟ وإلى متى ستظل “الأيام” و”الطريق” مغلقتين؟ وهل من محاكمة عادلة؟
علينا أن نناصر أصحاب الأقلام الشريفة وحملة الأفكار النبيلة، علينا أن نتضامن مع “الأيام”، والأستاذين هشام وتمام باشراحيل ومع “الثقافية” والأستاذ أحمد المغلس والكاتب معاذ الأشهبي، والأستاذ أيمن محمد ناصر (رئيس تحرير صحيفة الطريق)، والأستاذ محمد المقالح، وشفيع العبد. علينا أن نتضامن مع صلاح السقلدي، وأنيسة محمد علي عثمان، وفؤاد راشد، والمحامي محمد ناجي علاو، والدكتور حسين مثنى العاقل… وغيرهم، لأن “الذئب ما كان ليكون ذئباً لو لم تكن الخراف خرافاً” (وليم شكسبير).