الكويت.. من خارج دائرة البروتوكول

الكويت.. من خارج دائرة البروتوكول

* أبوبكر عبدالله
تحتفل دولة الكويت حاليا بالعيد الوطني ال49 للاستقلال وعيد التحرير ال19، في ذكرى طالما أحيت في الذاكرة اليمنية الدور المائز لهذا البلد الذي طالما كان سندا ومحركا للتنمية في اليمن وجسر عبور لتخطي التحديات الكبرى بل وبلسما للجراح في أحلك الظروف.
كم كان رائعا محرك البحث “جوجلـ” عندما احتفل بالمناسبة على طريقته الخلاقة بإضافة أبراج الكويت وألوان علمها الوطني مزينة بعبارة مبروك عيد الاستقلال، فوق نافذة البحث لتصير هذه العلامات جزءاً من شجرة “جوجلـ” العالمية اليانعة الثمار.
لعل من الوفاء أن نحتفل في اليمن بالأعياد الوطنية لدولة الكويت، فعلى مدى عقود ظل هذا البلد حاضرا في هذه الأرض إما كداعم أساسي للتنمية أو قاطرة للتوافق والحل السلمي في ظروف أخرى كان نافذة اليمنيين إلى الساحة الثقافية والإبداعية العربية والعالمية.
في سني الانقسام العربي الذي اختارت فيه أنظمة عربية كثيرة ميدان اللعب في حلبة التوازنات والخوض في معادلة المصالح الدولية والبترودولار، اختارت الكويت توجيه وفوراتها المالية أو جزء منها ربما لصالح التنمية العربية عبر الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية والمساعدات الكويتية المجانية.
مع قيام الثورة في شمال اليمن سابقا كانت الكويت من أوائل البلدان التي اعترفت بالنظام الجمهوري في موقف استمر بحيوية من خلال قاطرة الدعم لجهود البناء والتنمية في بلد لم يكن قد خرج بعد من قمقم التخلف والجهل والفقر والمرض.
وبعد الثورة في جنوب اليمن كانت الكويت أيضا شريكا حقيقيا وفاعلا في التنمية، بل ومتقدمة على كثير من دول الجوار الخليجي في التأسيس للبنية التحتية من المدارس والمرافق الصحية والخدمية وشبكات الطرق والسدود وغيرها.
اليوم، نرى الكويت في جامعة صنعاء؛ هذا الصرح التعليمي الشامخ، وفي كلية الطب العملاقة، وفي المكتبة المركزية، المستشفى العسكري، مبنى الهيئة العامة للطيران، دار الكتب، مستشفى الكويت، بنك الدم، المعهد الصحي، المختبر المركزي بصنعاء، معهد التنمية الإدارية، المعهد الصناعي، والمكتبة الوطنية بعدن. كما نراها في فورة معاهد المعلمات، وفي عشرات المدارس والمرافق الصحية والتعليمية في المحافظات الجنوبية، وفي ميناء عدن والعديد من شبكات الطرق.
نرى الكويت بلدا عظيما في كلية الشرطة بصنعاء، وفي مستشفى الحديدة العام، وفي مشروع وادي زبيد، وعشرات المستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية.
نشير إليها اليوم بإكبار، فهي من مدت اليمن بشريان الحياة بدعم قطاعي التعليم والصحة، وتلبية رواتب ونفقات البعثات الصحية والتعليمية لأطباء وزارة الصحة وأساتذة جامعة عدن، إلى تمويلها لسنوات طويلة فواتير تشغيل وأجور العاملين والأساتذة الجامعيين المعارين والأساتذة الزائرين في جامعة صنعاء، وكذلك الإداريين، إلى تمويلها نفقات العديد من المستشفيات، وتلبية نفقات وأجور واحتياجات آلاف المدرسين العرب في المراحل الدراسية المختلفة، في وقت لم تكن اليمن قادرة على تلبية مثل هذا الأعباء.
اليوم نرى الكويت بلدا عظيما في عشرات المدارس بالمحافظات، وفي الجزء الأكبر من مساكن منكوبي كارثة الزلزال في ذمار، والعديد من مشاريع الزراعة والري والثروة الحيوانية وقطاع النقل والمواصلات والطرقات، في الموانئ، وفي قطاع الطاقة، الصناعة، الكهرباء، المياه، والإدارة الحكومية.
لعلي أذكر كم كنت سعيدا في بداية حياتي وأنا أشتري تلك الإصدارات الثقافية الكويتية العملاقة “العربي”، “عالم المعرفة”، “المسرح العالمي”… وغيرها بسعر أقل من مصروفي اليومي. لم أكن يومها أعرف أن المطبوعات الكويتية في اليمن مدعومة بعدما اختارت الكويت أن يكون لليمنيين نصيب من سيل الثقافة الذي تنتجه مؤسساتها الثقافية.
حضور مميز
قياسا بأنظمة ما انفكت تدعم منذ عقود القوى المناهضة للثورة والنظام الجمهوري، وظلت لسنوات تحيك المؤامرات، وتدعم أنظمة شطري اليمن سابقا بالسلاح، إلى ضخها في سنوات الغليان الجبهوي ملايين الألغام الأرضية المضادة للأفراد، لا تزال تعانيها عشرات القرى اليمنية الآهلة بالسكان، فضلا عن تخصصيها موازنات عملاقة للقوى المشيخية بتحويلهم ككيانات موازية للدولة بغرض إضعافها.. كانت الكويت حاضرة بأجندة مختلفة تماما.
في الواقع، ليس هناك مجال تنموي لم يكن لدولة الكويت حضور فيه، ولنا أن نطالع قائمة طويلة من المشاريع التي انطلقت في اليمن مع تباشير قيام الثورة في الشمال والجنوب سابقا في مجالات الزراعة والري والثروة الحيوانية والنقل والاتصالات والطرق والموانئ والطيران المدني والطاقة والصناعة والكهرباء والمياه والخدمات الحكومية والإدارة، والتي استمرت منذ عقد الستينيات وحتى مطلع التسعينيات عندما توقفت بسبب الاجتياح العراقي للكويت.
الحديث عن الحضور الكويتي في اليمن لا يمكنه أن يكون بروتوكوليا قدر ما يستند إلى حقائق على الأرض، فهذا البلد هو الدولة العربية الوحيدة في محيطنا الخليجي التي تستحق كل التقدير والوفاء من اليمنيين. ولعل من حسن حظنا أن استقلال دولة الكويت وتأسيس الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية تزامن مع قيام الثورة في شطري اليمن شمالا وجنوبا.. ما الحال لو كان غائبا؟
علينا أن نعرف أن اليمن حظي بنصيب وافر من نشاطات الصندوق الكويتي للتنمية الذي انطلق في إدارة المساعدات المالية والتقنية للدول العربية مطلع الستينيات فيما كان اليمن بحاجة ماسة إلى دعم عربي يضعه على بر الأمان ويؤسس لعهد جديد.
في حقبة الطفرة النفطية التي عاشتها دول خليجية عدة، كانت الكويت النافذة التي مدت اليمن بأكسجين التطور عبر مشاريع التنمية العملاقة التي باشرتها في مختلف المجالات.
وفي محطات الصراع الشطري كانت البلسم الذي طالما داوى الجراح اليمني، بل وكانت جسر العبور لليمن في تجاوز تحدياته الكبيرة في قطاعي التعليم والصحة.
بموازاة الدعم الكويتي لجهود التنمية في شطري اليمني سابقا، لم تكف الكويت عن لعب دور الوسيط وإدارة جهود المصالحة السياسية في أوقات الحروب والتمزق بين الشطرين، تماما كما كانت من أكثر الداعمين لتوحيد اليمن بشطريه.
رغم الشرخ الذي أنتجه الاحتلال العراقي لدولة الكويت في مطلع التسعينيات، وما لحقه من تداعيات خلفها الموقف اليمني الرسمي من اجتياح جحافل النظام البعثي البائد لدولة الكويت، نرى اليوم الكويت تتجاوز القطيعة، وبمجرد أن لملمت جراحات الاحتلال والمواقف العربية المخذلة، عادت إلى اليمن حاملة راية المساهمة في البناء.
لعل الأشقاء في الكويت قدموا لنا درسا في الوفاء، فأي بلد وأي نظام هذا الذي يدعم نظاماً استبدادياً وجه فوهات دباباته إلى إخوانه واحتل بلدا آمنا ودمره كليا في غمضة عين..!
لعلنا نتذكر مؤتمر لندن 2006 للمانحين لليمن، فرغم حال الصخب الذي أحدثته معارضة البعض لمشاركة الحكومة الكويتية في المؤتمر وتقديمها دعما لليمن، إلا أن تلك التجاذبات انتهت بتقديم النموذج الكويتي الذي طالما قدم الكثير لأشقائه العرب، فكانت الكويت من بين أبرز المتبرعين لدعم برامج التنمية في اليمن.
Abubkr.a@gmail.com