المقالح مجرداً من الحماية القانونية عن بطلان إجراءات القبض والمراقبة وفق دفع لم يصل للمحكمة!

المقالح مجرداً من الحماية القانونية عن بطلان إجراءات القبض والمراقبة وفق دفع لم يصل للمحكمة!

ماجد المذحجي
أثار المسار القانوني الذي ذهبت إليه قضية الصحفي والسياسي محمد المقالح، جملة التباسات حول الجدوى من عدمها في الترافع عنه أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، وتمكينه من حقوقه القانونية في الدفاع عن نفسه في ضوء جملة الانتهاكات الخطيرة التي تعرض لها، والتي رافقت عملية اعتقاله والتعذيب وسوء المعاملة الذي حاق به وفق ما أفصح عنه. علاوة على تقاطع ذلك مع “التشوش” وعدم الحسم الذي ميز موقف المحامين من المحكمة الجزائية المتخصصة، ونقابتهم بشكل أساسي التي لم يصدر عنها قرار يقول بعدم شرعية الجزائية، ويحول دون ترافع أي من عضويتها أمامها. وتبعاً لذلك أدى هذا “اللغط” إلى النيل من قدرة المقالح على التمتع بـ”الحماية القانونية” أثناء سير عملية التقاضي المستمرة بغض النظر عن شرعية المحكمة من عدمها، ومن كون القرارات فيها مسيسة أم لا.
أوكل المقالح فور الكشف عن احتجازه بأوامر من النيابة الجزائية، وأنا هنا لا أؤكد على شرعية وصوابية الإجراءات المتخذة بحقه، أو كون تلك الأوامر سابقة أم لاحقة على عملية اعتقاله وإخفائه من طرف الأجهزة الأمنية، أمر الدفاع عنه وحضور التحقيقات للمحامي هائل سلام، رئيس هيئة الدفاع السابقة عن الصحفي عبدالكريم الخيواني، وكان أن حضر هائل سلام الجلسة الثانية للمحكمة بعد أن تعذر حضوره الجلسة الأولى التي عقدت بدون إشعار رسمي له من قبل النيابة بموعدها. عقب ذلك استجاب المقالح للرأي القائل بمقاطعة المحكمة، والذي تبناه عدد من المحامين مثل د. محمد المخلافي، وعبدالعزيز البغدادي، ومحمد الوادعي، ومحمد المقطري. حضر المخلافي سابقاً عدداً من الجلسات في المحكمة الجزائية المتخصصة للترافع عن باعوم وعدد من قيادات الحراك الجنوبي، رغم إعلان تبنيه موقف مقاطعة الجزائية وعدم شرعيتها بشكل سابق لمحاكمتهم ومنذ بداية عملها! ولم يتمكن هائل سلام تبعاً لقرار المقالح، ووفقاً لطلبه ذلك بشكل مباشر منه أثناء زيارة له وفق تصريح مكتوب عن سلام، من تقديم دفاعه عن موكله للمحكمة. وهو ما حرم المقالح بتقديري الشخصي من شيء أساسي: فضح الاختلالات الفادحة في قضية المقالح لكونها جاءت بشكل أساسي محمولة على “مبنى إجرائي مطلق البطلان، وهو البطلان الحائق بإجراءات المراقبة الهاتفية، والقبض، وجمع الاستدلالات، والحبس الاحتياطي، والاستجوابـ”، هذا بغض النظر عن الدفع الاحتياطي الذي وفره هائل سلام للأخير، والذي تناول “عدم الاتهام وتلفيق الاتهام”. وهو ما كان سيشكل إجهازاً على محاولة إسباغ الشرعية على ما حدث للمقالح. وكون المضي في إجراءات الدفاع، بغض النظر عن تأكدنا من عدمه لكون قرارات هذه المحكمة صادرة إليها من خارجها، سيحول دون فداحة التنكيل بالمقالح قانونياً بعد تنكيله جسدياً، وسيمنح النشطاء والمنظمات والصحفيين القدرة على إثبات عدم عدالة المحكمة، والاختلالات في إجراءات التقاضي أمام المنظمات الدولية، وبالنسبة للمقرر الدولي الخاص بالمحاكمات العادلة واستقلالية القضاء، التي تحتاج إلى إثبات من سير وقائع المحاكمة يقول بعدم عدالتها لا مجرد ادعاء شفهي بذلك غير مسنود بوقائع وإجراءات محددة، فهي غير معنية بأي ادعاءات بذلك مادام لم يصدر موقف نهائي من المحكمة الجزائية يقول بعدم شرعيتها من قبل النقابة المهنية الأساسية المعنية بالأمر، وهي نقابة المحامين، خصوصاً وأن كيفية إنشاء المحكمة الجزائية المتخصصة، تم إنشاؤها بقرار صادر عن رئيس الجمهورية، وهو أحد أوجه الطعن في شرعيتها، يسري أيضاً على ذات الكيفية التي تم بها إنشاء الكثير من المحاكم مثل محكمة الصحافة والمحاكم التجارية التي يترافع معظم المحامين الطاعنين بشرعية الجزائية أمامها. وأنا هنا لا أدافع عن شرعية الجزائية أو أثبتها، بل أوضح التناقضات، التي قد تبدو انتهازية، في الموقف من شرعية الجزائية، وهو ما أدى في الأخير إلى تجريد المقالح من الحماية، وعدم تمكين المشتغلين في الدفاع عنه من أدوات في الضغط لإطلاق سراحه وتصعيد قضيته تتمثل في إثبات عدم عدالة المحاكمة الآن ولاحقاً تبعاً لدفاع قانوني متمكن، وليس اعتماداً على صراخ بدون أساس، بدل الاكتفاء بإطلاق البيانات باسم المنظمات وتجمعات عددية ضعيفة للتضامن معه!
اعتمد الدفاع القانوني للمحامي هائل سلام على مستويين؛ تناول الأساسي منه دفع الجانب الإجرائي في قضية المقالح، وهو ما يؤدي إلى بطلانها كلياً تبعاً لذلك. بينما تناول الاحتياطي منه (الدفع بعدم صحة الاتهام وتلفيق التهم). تضمن محتوى الدفع الأساسي، وهو ما سيكون موضوع اهتمامي، بينما يمكن الاطلاع تفصيلاً على الدفع الاحتياطي المنشور في عدد من المواقع والصحف، تأكيداً على بطلان إجراءات المراقبة الهاتفية التي شكلت مخرجاتها ركناً أساسياً في اتهام المقالح، كونها قامت بشكل مفارق لنصوص مواد قانون الإجراءات الجزائية (رقم 14، 131، 132، 146، 148) التي لا تجيز بشكل صريح “مراقبة الاتصالات الهاتفية، إلا بمقتضى قرار، أصيل ومسبب، صادر عن النيابة العامة، وعن طريق أحد موظفي مصلحة الهاتف بعد تحليفه اليمين، وبشأن مكالمة محددة على سبيل الضبط، ولغرض منع جريمة بوشرت بشأن إمكانية وقوعها تحريات جدية”، وهو الشأن الذي خالفته كلياً المراقبة الهاتفية المستند إليها في قرار اتهام المقالح. حيث إن المراقبة تمت من جهازي الأمن السياسي والقومي، وليس من قبل موظف من مصلحة الهاتف، كما “أنها لا ترتبط بالوقائع الموصوفة في قرار الاتهام، ولم تكن بمثابة إجراء تحقيقي بشأن تهمة وجهتها النيابة” للمقالح، بل تمت بشكل سابق لتوجيه التهم له، ولغرض الحصول منها على مسوغات توجيه تهمة له بشكل لاحق! هذا إضافة إلى أن موافقة النيابة على المراقبة لم تتقيد بما يقتضيه نص المادة 146 من قانون الإجراءات الجزائية، الذي يستوجب “تحديداً دقيقاً للمكالمة المطلوب مراقبتها”، وأن يتم تحديد “الأمد الزمني للمراقبة”. حيث قامت النيابة بتحديد الأمد الزمني للمراقبة بمدة سنتين و4 أشهر حسبما هو وارد في قرار الاتهام، وهو “ما يجعل من تلك المراقبة، أطول مما هو محدد قانوناً، بل وأطول مما يتصوره إنسان” وفق النص المقتبس من دفاع المحامي هائل سلام الذي تخصه كل العبارات المقتبسة هنا بين حاصرتين. وهو أمر في محصلته ينتهك الضمانات الدستورية والقانونية المكفولة للمقالح، ويبطل إجراءات المراقبة وما ترتب عليها كلياً.
استوعب محتوى الدفع الأساسي في الجزء الثاني منه بطلان إجراء القبض على المقالح والإجراءات المترتبة عليه كونها لم تتقيد بنصوص المواد رقم 6، 7، 11، 71، 73، 76، 77، 83، 172، 176 من قانون الإجراءات الجزائية، وهي التي تؤكد على “تقديم كل من يقبض عليه بصفة مؤقتة، بسبب الاشتباه في ارتكابه جريمة، إلى القضاء خلال 24 ساعة من وقت القبض عليه، على الأكثر، وأن يبلغ فوراً بأسباب القبض، وأن تصدر النيابة على الفور، أمراً مسبباً باستمرار القبض أو الإفراج عنه، وأن يخطر فوراً من يختاره المقبوض عليه بواقعة القبض، وبكل أمر قضائي باستمراره، وإذا تعذر على المقبوض عليه الاختيار وجب إبلاغ أقاربه أو من يهمه الأمر”، وهو شأن تم مخالفتها كلياً في ما يخص المقالح، فهو لم يكن بحالة تلبس ولم يكن “بأمرٍ من النيابة، أوجبته ضرورة تحقيق ابتدائي كانت تجريه مع “المقالح”، بشأن ذات التهم الموصوفة في قرار الاتهام”، كما أن واقعة القبض، وفق قرار الاتهام، تمت في “17/9/2009، وأن إحالته إلى النيابة لم تتم إلا في 30/1/2010، أي بعد حوالي 4 أشهر ونصف من تاريخ القبض، وضع خلال تلك الفترة قيد الإخفاء القسري، اللاطوعي. إذ لم يتم إبلاغ أسرته بواقعة القبض أو الكشف عن مصيره، أو مكان احتجازه. وذلك بحد ذاته، يعد تنكيلاً به وبأسرته، وإهداراً لحريته الشخصية ولكرامته، مما يغني عن إثبات التعذيب، وكل صنوف المعاملة القاسية التي تعرض لها، حسبما بينه” المقالح في الجلسة الثانية في محاكمته. كما أن النيابة قامت بحبس المقالح احتياطياً قبل التحقيق معه “وقبل استجوابه أو توجيه أي اتهام له، وذلك بالمخالفة للمقرر التشريعي الوارد بنص المادة 184 من قانون الإجراءات الجزائية”.
واعتماداً على ذلك كله ينعدم الأثر القانوني لكل ما تم تحصيله من إجراءات القبض والمراقبة الهاتفية وفقاً لنص المادة 132 من قانون الإجراءات الجزائية، ويجب إطلاق سراح المقالح فوراً، وعدم النظر في محتوى قرار الاتهام بالأساس.