مشاريع الكهرباء مثالاً.. موقع الشركات الاستشارية الأجنبية على خريطة الفساد في بلادنا

مشاريع الكهرباء مثالاً..موقع الشركات الاستشارية الأجنبية على خريطة الفساد في بلادنا

> خالد غالب
فاحت في الآونة الأخيرة، وبشكل غير مسبوق، روائح نتنة للفساد المستشري في بلادنا، مبعثها هذه المرة شركات استشارية أجنبية تقدم خدماتها الاستشارية للعديد من القطاعات الحكومية في مجالات تنموية مختلفة. وقد تسببت العلاقة المشبوهة مع هذه الشركات في ضياع مئات ملايين الدولارات رصدت لمشاريع تنموية وخدمية نفذت في مختلف مناطق بلادنا، غير أن فرحة المواطنين بتوفر هذه الخدمات وجني ثمار بعض هذه المشروعات لم تدم طويلا، نظرا لأنها نفذت بطرق مخالفة للمواصفات الفنية والمحددات القانونية، وبعضها لا تتلاءم وطبيعة واحتياجات هذه المنطقة أو تلك، مما أدى إلى توقف بعضها بعد فترة قصيرة من بدء عملها.
وبحكم معطيات وسيناريوهات واقع التخطيط والتنفيذ للمشاريع في بلادنا يكتشف المهتم أن الشركات الاستشارية ركن أساسي من سيناريوهات الفساد وغطاء فاعل لتتم المشاريع بحقيقتها المغايرة لمعايير واشتراطات التنفيذ.. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل هذه الشركات قدِمت إلى بلادنا وهي مصابة بداء الفساد فزادت على بليتنا بلية، أم أن هناك من نقل لها فيروس الفساد للتعايش مع واقعنا؟ وأتصور أن الإجابة على هذا السؤال تدخلنا في مسألة جدلية.
ومن خلال واقع الحال تتضح صورة العلاقة بين مكونات الفساد وما لديهم من قناعات حللوا من خلالها الرشوة واعتبروها غنيمة إذا ما توافرت “الفرصة”. قد يسأل البعض ما علاقة الشركة الاستشارية بما يحدث بين رجل الأعمال وموظف الحكومة؟ غير مدرك أنه لم يعد يقتصر الأمر في دائرة الفساد على إساءة استخدام السلطة العامة لتحقيق كسب خاص يقوم به ثلة من موظفي الحكومات، وإنما هناك فساد متعدد الجنسيات يتم بين طرفين من دولتين أو أكثر، كنتاج لمتغيرات تنموية واقتصادية في بعض الدول النامية، فرضت عليها الحاجة الداخلية التعامل والتعاون مع مؤسسات وشركات خارجية، ومن بينها كما أسلفنا الشركات الاستشارية التي تضبط العلاقة معها معايير وضوابط وقوانين وتحدد مجالات التعاون.. وهي معايير معمول بها في معظم دول العالم، فعلى سبيل المثال وكما هو متعارف عليه عند احتياج أية مؤسسة لخدمة استشارية تقوم بإنزال مناقصة تتنافس عليها عدد من الشركات الاستشارية ومن ثم يتم على إثرها اختيار الشركة الاستشارية ذات العطاءات الأفضل، وإذا قسنا ذلك مع ما يحدث في بلادنا نجد هناك شذوذا وانحرافا كبيرا عن هذه القاعدة، فعندما تريد مؤسساتنا تلك الخدمة الاستشارية تترك للمقاولين عملية التعامل والتواصل مع الشركات الاستشارية بصورة مباشرة في إطار سلسلة طويلة من الإجراءات المعقدة والملتوية التي تخلق ألغازا يصعب على غير المختصين فكها حتى يكتشف أن هذه الإجراءات جاءت في الأساس من أجل أن تحول دور الاستشاريين من دور المشرف والمدقق على صوابية خطوات المناقصة والالتزام باشتراطات تنفيذها إلى دور “المحللـ” والمجيز للمشروع لهذا التاجر أو ذاك وبمنطق “من يدفع أكثر”. وهكذا يتنافس المتنافسون في الفساد على تدمير الوطن واقتصاده، وبالتالي أصبح للتاجر والمقاول شركته الاستشارية التي يدفع لها “الأتعابـ” مقابل أن ترسي عليه المشروع الأول والثاني والثالث وهكذا وبكل صلف وبطريقة مفضوحة وفجة، ووسط إصرر قوي من أركان الفساد في بعض الجهات الحكومية على مخالفة القوانين، وفي الوقت ذاته تجاهل أن هذه النوعية من الفساد سوف تؤثر على الاقتصاد القومي ككل، وعلى نوعية الحياة الاقتصادية التي يعيشها أفراد المجتمع.
ومنذ وقت مبكر، ونتيجة لغياب مشروع التعامل مع التنمية، وجد محللو الفساد أنفسهم في ساحة مفتوحة يسرحون ويمرحون في فسادهم كما يشاؤون، فتعددت وتنوعت جوانب الفساد وتطورت أساليبه وطرقه بصورة مطردة مع اتساع نطاق مشاريع البنية التحتية والتنمية لبلادنا، خاصة في العقود الأخيرة، والتي تمكن عبرها “حمران العيون” من اقتحام بوابة العقود والمناقصات والمزايدات، وهم لابسون قميص الاستثمار وملتحفون عباءة الوطنية، والفساد يتحرك تحتهما كما تتحرك “القملـ” في شعر الرأس، إلى أن أصبح الفساد اليوم “ظاهرة” ولم يعد سلوكا هامشيا أو فعلا استثنائيا إلى درجة تنذر بالخطورة.
وجاء الاعتراف بذلك على لسان رئيس الجمهورية حينما تناول في أحد خطاباته قضية الفساد محددا وجودها بصورة كبيرة في العقود والمناقصات والمزايدات.. ولا أحد ينكر أن فرص الفساد في العقود والمناقصات والمزايدات منعدمة في كل دول العالم، وإنما هي موجودة ولكنها في الدول المتقدمة وبعض الدول النامية قليلة جدا مقارنة بما هو حاصل في بلادنا وهي فرص “على قفا من يشيلـ” كما يقول الإخوة في مصر الكنانة.
والأمر الخطير في إفساد الشركات الاستشارية لعقود المناقصات والمزايدات أنه يغير المعايير التي تحكم إبرام العقود، حيث إن التكلفة والجودة وموعد تسليم وغيرها من المعايير المشروعة التي تحكم إبرام العقود في الظروف العادية، ولكن في ظل الفساد يصبح المكسب الشخصي لكبار المسؤولين عاملاً هامًا في إبرام العقود، وبالتالي أصبحت رؤية الشركة الاستشارية تمثل مخرجا يحفظ لهذا المسؤول أو ذاك ماء وجه، ويبني على توصياتها قراره وإجراءات مؤسسته تصب في نهاية المطاف في مصلحة إرساء المناقصة على شركة بعينها أشبعت نزوته المادية رغم معرفته الكاملة بنوعية وحدود المخالفات التي سترتكب في تنفيذ المشروع..
وهكذا تم تمرير الكثير من المناقصات التنموية والخدمية، وعلى وجه الخصوص في مشاريع الكهرباء. وتشير العديد من الحقائق إلى أن الشركات الاستشارية الأجنبية (لا داعي لتسميتها هنا) ترتبط مع مقاولين محليين، ساهمت مساهمة مباشرة في إرساء مشاريع كبيرة في الكهرباء تتجاوز قيمتها مئات الملايين من الدولارات، على بعض المقاولين والشركات غير الكفؤة، من خلال جملة من المغالطات والمخالفات القانونية الواضحة التي لا يمكن أن تجد لها طريقاً للمرور لولا وجود ضعفاء النفوس اللاهثين وراء المكاسب الشخصية في بعض الجهات الحكومية المعنية ممن تركوا القانون وراء ظهورهم، وأرادوا أن يكون تعاملهم مع المناقصات والمزايدات وفق أهوائهم وفي مساحة واسعة للتقدير الشخصي، محاولين تجاوز اللجان الفنية الوطنية المختصة بمراجعة وفحص عطاءات الشركات المتقدمة للمناقصة، ومغالطة ومماطلة الهيئة العليا للمناقصات والمزايدات في البيانات الإيضاحية والفنية المؤكدة لسلامة إجراءات المناقصة.
ورغم أن المؤشرات توحي أن الهيئة في الآونة الأخيرة بدأت تحقق تقدما في مهامها من خلال إلغائها عدداً من المناقصات المخالفة للقانون، لكني أعتقد أن مثل هذا التقدم غير كافٍ كون حجم المشكل في هذا الجانب كبيراً. ويهمنا هنا من الزاوية الاقتصادية السؤال عمَّا هي تكاليف مثل هذه الممارسات اللاوطنية، وتأثيراتها الاقتصادية على معدلات النمو؟ وهل يتوقَّف أثر هذه الرشوة على أن رجل الأعمال يتحمّل دفعها إلى الموظف الحكومي؟
إن أهم الآثار الاقتصادية المترتبة على الفساد هي الزيادة المباشرة في التكاليف، فإن المبلغ الذي يدفعه رجل الأعمال إلى الموظف الحكومي الكبير مقابل الحصول على تسهيل معين، مثل الحصول على إذن باستيراد سلع معينة من الخارج، أو الحصول على مناقصة أو عطاء معين، لن يتحمله رجل الأعمال في النهاية، ولكن في الغالب يتم نقل عبئه إلى طرف ثالث قد يكون المستهلك أو الاقتصاد القومي ككل أو كليهما معًا، حيث يقوم رجل الأعمال بكل بساطة برفع سعر السلعة التي استوردها من الخارج، أو رفع تكلفة المناقصة أو العطاء؛ ليعوِّض ما دفعه من رشوة، وذلك يعني أن المستهلك الذي يشتري هذه السلعة هو الذي يتحمل عبء الرشوة، وقد تتحملها ميزانية الدولة إذا كانت الحكومة هي التي تشتري السلعة.
وفي مناخ لا توجد فيه درجة مناسبة من الرقابة أو المساءلة، ولا الاطمئنان لتفسيرات القانون أو لضمان تنفيذ أحكام القضاء، سيظل السؤال المطروح من كل مخلص في هذا الوطن: إلى متى سنظل نجلب شركات استشارية تخضع لأهواء المقاولين والفاسدين؟ وإلى متى ستظل الأجيال تدفع ثمن أعمالهم وأطماعهم غير الوطنية وغير المشروعة؟