سنوات أبي النحس اليماني

من هو أبو النحس اليماني؟ سؤال سيراه القارئ الكريم محيرًا... له الحق في ذلك، لكن قبل الإجابة أضيف أيضًا صفة أخرى إلى جانب صفة النحس، وهي صفة المتشائم نسأل لم ذلك؟ سوف نرى...

إنه بلا شك سؤال اللحظة القاتلة التي تجترح حياة اليمنيين جميعًا أينما كانوا وأينما وجدوا، وحتى أولئك الذين يكذبون على أنفسهم لأنهم يعيشون في نعيم، فلا نعيم ليمني في ظل وجود ملايين من المواطنين التعساء باتوا بلا وطن مجردين من كل صفات الحياة الإنسانية المعتبرة.

إنها حالة مشابهة لحالة اختفاء سعيد أبي النحس، المتشائل الفلسطيني الذي كتب عنه الراحل الكاتب الشاعر السياسي الفلسطيني إميل حبيبي، رواية تحمل ذات الاسم.. كان اسم الرواية "الوقائع الغريبة في اختفاء أبي سعيد المتشائل".

كان إميل حبيبي شخصية كاريزمية فلسطينية مؤثرة. كان منتميًا للحزب الشيوعي الفلسطيني، مناهضًا للكيان الصهيوني. أثرى المكتبة العربية بعملين روائيين هما "سداسية الأيام الستة"، عن حرب سبعة وستين، والعمل الثاني هو "الوقائع الغريبة" الذي أشرنا إليه... هذان العملان شكلا إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال الرواية العربية تحديدًا، وتجاوزا من حيث المضمون والأسلوب.

سعيد أبو النحس المتشائل... هو الفلسطيني الباحث عن وطن، عن كيان في ظل وجود كيان صهيوني غاصب مدعوم من ذات القوى الاستعمارية التي أوجدته ومستمرة في دعمه، وعلى حساب تاريخ ووجود ومشاعر وكيان ونفسية أبي سعيد النحس الفلسطيني منذ ثمانين عامًا.
وماذا عن مقاربة أبي النحس اليماني؟ وما علاقته باختفاء سعيد أبي النحس الفلسطيني المتشائل؟ إنهما حالتان تشابهتا في الشكل والمضمون، واختلفتا في المكان، وإن تباعدتا وتقاربتا في الزمان.

أبو سعيد الفلسطيني صار منافحًا مطاردًا ما يربو على الثمانين عامًا... حروب تشريد قتل تجويع نضال لا مثيل له آخره صمود غزة رغم خذلان العالم والأقربين الأشقاء، إلا من رحم ربي. ومن هنا أتت المقاربة بين حالتي أبي سعيد النحس الفلسطيني، وأبي النحس اليماني الذي ولج بلدًا وشعبًا طاحونة ودوامة حرب مدوية مدمرة عامها العاشر، ولا يلوح في الأفق أية بادرة للخروج من جهنم هذه المحرقة التي أتت على اليابس والأخضر في بلاد سميت في يوم من الأيام باليمن الخضراء أو اليمن السعيد، وهذا نوع من أنواع تفخيم الأوصاف ليس إلا. وهكذا نجد ونرى أن كلا التعيسين أدخلا بوتقة ومحرقة واحدة، كلاهما يحلمان باستعادة وطن وأرض وعيش حر كريم.... نؤكد المؤكد هناك وطن مصادر في فلسطين، وطن تآمرت عليه قوى دولية استعمارية ماتزال تتآمر حتى اللحظة ومايزال المختفي الفلسطيني المتشائل صامدًا في منزلة بين المنزلتين؛ متشائل كما سماه إميل حبيبي، إنسان مازال يحلم، يناضل من أجل العودة للوطن بعيدًا عن الشتات، واستعادة الأرض. وهنا وجه الشبه بين حالتي اليمني والفلسطيني، كلاهما يبحثان عن وطن مصادر...

هنا نسأل ونتعمق أكثر لنرى ما الذي حدا بنا إلى مقاربة الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل الفلسطيني، مع حالتنا اليمنية، لنعرف مكامن أسرار اختفاء أبي النحس اليماني.

إنها حالة الحرب والحرب مع ما يصاحبها من سياسات مدمرة، إنما تصبان في المزيد من الدمار والتخريب كما تبين في فلسطين وبلادنا... فإن كانت الحرب دمارًا، فإن السياسات المتأتية من جرابها إنما تسير على خطاها أكثر تدميرًا وتخريبًا.. فالسياسة كما نعرف إنما استمرار للحرب، ولكن بوسائل أخرى.. وهكذا نرى مع سعيد النحس اليماني المتشائم وليس المتشائل، مجريات حياته بعد لعبة الحرب وما تبعها من هدنة يجري تمطيطها إلى هدن لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تحدث المزيد من التدمير والتمزيق والإفقار والتباعد والتمزيق الداخلي مع الحرب تتلازم مظاهر حب السيطرة والتفرد بالقرار الوطني ومصادرته من قبل طرف يلغي بقية الأطراف أو يضعها بمرتبة التابع، لتتشكل معه حالة الاختفاء للمنحوسين كافة، لتتجلى حالة اليمني والفلسطيني التي بدأ القول والتشخيص لها الراحل إميل حبيبي.

إنها حالة أزمة تعيشها الأنظمة العربية وتعبيراتها السياسية، أقصد الدول العربية التي أبعد ما تكون عن امتلاك القرار السيادي، وقد تجلى هذا الأمر في حالة التشرذم العربي التي نعيشها، ومعها تجلى الموقف البائس عربيًا تجاه العدوان الصهيوني المستمر على غزة، وتجاه ما يجرى في بلادنا من حرب مدمرة يقف العالم والأطراف التي شاركت فيها كأنها وجدت ضالتها بالحرب وفي ميادين الحرب، غير مدركة أنها قد حولت ملايين اليمنيين إلى ضحايا للحرب يقتاتون من ويلاتها، ويتحولون مع استمرارها إلى مجرد أشباح تهيم على الأرض، لكنها لا تجد لها مستقرًا يشعرها بالأمان.

إنها حالة اغتراب، حالة نحس ملعونة... هي تعبير عن مسلك الأيام والقوى والسياسات والمصالح والدول التي حالت عمدًا دون استعادة دولة فلسطين وعودة المختفي أبي سعيد النحس المتشائل الفلسطيني الممسك لمفاتيح داره في حيفا ويافا وسائر فلسطين المغتصبة، تمامًا كما هي حالة أبي النحس اليماني البات نازحًا مشردًا داخل بلاد متشظية، في بلد يدمر عمدًا. إنه كائن ولا نقول مواطن، فلا وجود لمعنى المواطنة في بلد يدمر عمدًا كي يتحول إلى جزيئات بات الإنسان بحالة اغتراب داخلي يبحث عن وطن بات مفقودًا عبر آلات القتل وآلات الحرب التي تقدم له الكفن كي يتوارى ويختفي، فقد بات عورة بعد أن نهشته حروب تدمير الهوية الوطنية وتمزيق نسيجه الوطني... ليجد نفسه في حالة من التشاؤم أبعد من حالة اختفاء أبي سعيد النحس الفلسطيني المتشائل.

رعاك الله في مثواك إميل حبيبي كاتبًا تركت لنا زادًا ومعينًا نستعين بهما على فجائع زمن القحط العربي.. لا أستثني منهم بلدًا. وحماك الله فلسطين أرضًا وشعبًا، فهناك غزة وهناك شعب يقاوم. وحماك الله شعب اليمن من بعض إخوتك، أما أعداؤك فأنت تعرفهم تمام المعرفة.