ما وراء لندن؟!

ما وراء لندن؟!

*عبدالباري طاهر
لم يستغرق اجتماع لندن حول اليمن أكثر من ساعتين. ومن السذاجة التقليل من خطورة اجتماع يراد له تقرير أو إعادة صياغة الكيان اليمني بعيداً عن إرادة أبنائه.
فوجئت اليمن بدعوة رئيس الوزراء البريطاني، فرحبت «طمعاً» وتلبكت لأنها لم تكن في صورة الدعوة المباغتة.
والحقيقة أن أمريكا وبريطانيا يعاملان بلداناً كأفغانستان واليمن والسودان والعراق، معاملة هذه الحكومات لشعوبها «جزاءً وفاقاً». فهذه الأنظمة تستعبط شعوبها ولا تثق بها ولا تركن إليها، شأن السادة الأمريكان والبريطانيين القدماء والجدد الذين يعرفون حقيقة هذه الحكومات الفاسدة والفاشلة والمستبدة، ولكنهم محتاجون للحفاظ عليها ضمن الحفاظ على مصالحهم، والبحث في الوقت نفسه عن البديل الأكفأ لحماية هذه المصالح.
تدرك واشنطن ولندن أكثر من هذه الحكومات الخطر المحدق بهذه الأنظمة، وهو خطر آتٍ من تفسخ هذه الأنظمة وتلاشي هيبتها، وتآكل شرعيتها، وأنه يمكن أن تشكل خطرا على المصالح الاستعمارية، في حين أن جزءاً من وظيفتها الأساس وشرعية وجودها حماية هذه المصالح.
مؤتمر لندن ليس مكرساً فقط لمحاربة القاعدة، وإنما بالأساس معالجة النظامين العليلين: أفغانستان واليمن، ويعرف السيد القديم الجديد أن العلة في النظام نفسه وليس في مكان آخر. لأمريكا ولندن والغرب عموماً أولوياتهم، وللحكم في صنعاء أولوياته. كما للسعودية بالغة النفوذ أولوياتها أيضاً. وهي تتقاطع مع أولويات السلطة. وكلها أولويات في وادٍ، وأولويات الشعب اليمني في وادٍ آخر.
أولويات لندن وواشنطن بالأساس حماية مصالحهما وحلفائهما في المنطقة، وهي مصالح كبيرة جداً لا يسمح بتهديدها أو اللعب بالنار قريباً منها. وهي أولوية لا تضمن إلا بمعالجة علل السلطة في صنعاء، وهي علل لها علاقة بفساد النظام، وتلاشي هيبته وتدني شرعيته، وإجراء إصلاحات لا تتم إلا بأن تنهي الحرب في صعدة، وتلجم الحراك في الجنوب، وتحقق نوعاً ما من مصالحة مع القوى السياسية المعارضة (المشترك)، وتلزم السلطة بقدر من الجدية في الحرب على الإرهاب «حليف الأمس»!
أمّا أولوية السلطة فالمساعدات، والمساعدات وحدها، وقهر الحوثيين بالانتصار في حرب يستحيل الانتصار فيها، ورفض أي تنازل للجنوبيين أو المعارضة السياسية، أو إجراء أي إصلاح في نظام الحكم. وأما أولوية الجوار فالاستيلاء الشامل الكامل على النظام، وإلحاقه به بعقلية ومنطق الأخ الأكبر الواجب «السمع والطاعة»، خصوصاً في قضايا من نوع إلغاء الهامش الديمقراطي، وقمع الحريات العامة والديمقراطية، وكم الأفواه، والاستمرار في نشر المذهب السلفي الجهادي، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بذهنية الدولة الدينية المستبدة والفاسدة.
والنظام المهجوس بالطمع والخائف من المصير المجهول قد يرى في الاحتضان السعودي والدعم الغربي، وبالأخص الأمريكي والبريطاني، بارقة أمل في «الخروج من أزمته الخانقة».
ارتهان الحكم في صنعاء بمباركة دولية للسعودية هو الخطر القديم الجديد، فتاريخ صراع الدولتين القطريتين والجهاديتين السلفيتين: الزيدية والوهابية، يغطي جانباً كبيراً من التاريخ المعاصر للدولتين، والزيدية الجهادية تقوم على مبدأ الخروج, وهو مبدأ موروث من ” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” عند المعتزلة, وموجه ضد الحاكم الجائر, أما السلفية الجهادية الوهابية فجهادها ضد المجتمع ككل.  والانقلابات والفتن والحروب ومقتل وتنحية العديد من الرؤساء في اليمن (السعيد) سابقاً، ليس بالبعيد عن هذا الصراع، فمنذ رحيل القاضي عبدالرحمن الإرياني -يرحمه الله- عن الحكم في ال13 من يونيو 1974، أصبحت الانقلابات في صنعاء لا تمر دون رضا الشقيقة الكبرى، ودفع الحمدي -يرحمه الله- ثمن تمرده. أما الرئيس صالح فإن الفترة التي استطاع فيها «الخروج من الشرنقة» فهي مع الوحدة اليمنية 90 وحرب الخليج التي دفع الشعب اليمني ولا يزال ثمناً باهظاً لها.
أما ما بعد حرب 94 فإن الشقيقة قد أصبحت تمسك بأوراق عديدة في الحكم والمعارضة على حد سواء، وحالياً يجري التسابق على الولاء بصورة بائسة وحزينة، وربما إن دخول السعودية على الحرب في صعدة هو في جانب مهم للاستيلاء على جميع الأوراق بحيث تصبح جزءاً أساسياً من الحل.
لاشك أن ضعف إرادة اليمنيين وتمزق شملهم وتوزعهم في أكثر من اتجاه يسمح بفرض حلول جائرة، ولا تخدم مصالح وطموح أبناء الشعب اليمني.
لقد تبنى مؤتمر لندن قضايا مهمة من نوع مكافحة الفساد في الحكم، وهي علة العلل كلها، وتبنى قضية إصلاح الأوضاع وإجراء مصالحة وطنية، وهي حقيقة جزء أساسي من مطالب الحركة الديمقراطية.
والحقيقة أن الخطوة الأولى باتجاه المستقبل تبدأ من وقف نزيف الدم في صعدة التي ارتكبت فيها اليمن والسعودية جرائم حرب بامتياز. ثم دفع الحكم إلى مواجهات جدية مع التنمية والبناء، وتوفير الإمكانات المحدودة والشحيحة لمكافحة الفقر والبطالة والأزمات الشاملة في مجتمع يفتقر إلى مياه الشرب النقية ولقمة الخبز الكفاف، بدلاً من تكديس السلاح وعسكرة الحياة، وتمويل الفتن والحروب العبثية.
أما الحراك في الجنوب فإن تجاهل مطالبه والاستمرار في سياسة قمع الاحتجاجات المدنية والالتفاف أو تجاهل مطالبها لن يساعد على معالجة تدهور الأوضاع، وتصاعد أزمة النظام.
إن المشكلات اليمنية مترابطة ومتشابكة، والمصالحة الوطنية الشاملة هي الأرضية الصالحة لجدية التوجه للحرب ضد الإرهاب، وبدون حل هذه القضايا الثلاث لا يمكن الحديث عن التنمية، أو إصلاح الأوضاع، أو بناء يمن ديمقراطي موحد آمن ومستقر.
لقد حولت السلطة اليمن -كل اليمن- إلى عاهة كبرى تثير الخوف والرعب في الجوار والعالم بأكثر مما تبعث الشفقة والعطف. لقد روعت السلطة شعبها طويلاً، ولكن العالم لم يبد أي اهتمام إلا بعد أن وصلت النيران إلى أمنه ومصالحه.
ونتساءل بتفجع أيضاً هل أوصل الحكم شعبنا إلى عدم الاهتمام بالوصاية الأجنبية مباشرة أو غير مباشرة؟ وهل الوصاية السعودية أرحم من الوصاية الأمريكية والبريطانية، وهي موجودة منذ أمد؟! وهل لهذه الوصاية من وظيفة غير إطالة عمر حكم يحتضر حقاً؟
ندية الإخوة وتكافؤها وتكاملها واحترام الجوار أمر أساسي، ولكن معالجة أبناء اليمن لشأنهم هو الأساس، وقد جعله الحكم المعلول مستحيلاً أو شبه مستحيل.
لأنظمة الخليج والجزيرة عيوبها وأخطاؤها، وللنظام اليمني عيوبه وأخطاؤه أيضاً. ولكن أخطر عيوب حكمنا أننا بلد يمتلك مقومات دولة منذ آلاف السنين، وقد عرفت اليمن دولاً قوية وحضارية غنية وموحدة، ولكنها اليوم تصر على الانحدار بالكيان إلى القبيلة والعشيرة، وتجعل القبيلة فوق الدولة، وفوق النظام والقانون، ترتد بالتعليم إلى الطوائفية والمذهبية الحزبية المقيتة، وتجعل العرف القبلي أقوى من الشريعة وأزكى من الدستور.
كما تحول الاقتصاد الذي قام على دعائم ثلاث حسب دستور دولة الوحدة: القطاع العام والخاص والتعاوني، إلى ملكية عوائل يعدون بأصابع اليد الواحدة بعد خصخصة دانها البنك الدولي، واعتبرها استيلاء على المال العام ليس إلا.
لقد اتسمت سياستنا الداخلية بالنهب العام وإشعال الفتن والحروب، بينما اتسمت مع الجوار والخارج بالتنازلات اللامبدئية والابتزاز وغياب المصداقية.
وإذا كان العالم قد بدأ يدرك خطورة تدهور الأوضاع اليمن التي قد تصل إلى الانهيار والفشل التام، فان السؤال هل يدرك حكامنا حقيقة هذه الأوضاع؟
إن الورقة المشخصة والمقدمة من السيد رئيس مجلس الوزراء تقول للعالم ذلك وتعترف بجوانب مهمة من جوانب الأزمة، ولكن إصرارها على استمرار الحرب، وضرب الحراك في الجنوب، ونهج قمع الحريات العامة والديمقراطية، والتنكيل بالصحفيين وأصحاب الرأي.. كلها تقول العكس، وهي المعيار الحقيقي في الحكم على مدى إدراك الحكم لما صنعته يداه.