لأن الأمة لم توجد قط!

لأن الأمة لم توجد قط!

*إلهام مانع
“كلما جاؤوا إلى الدكان، تخاصمنا!”.
قالها لي منزعجاً. قالها لي متألماً.
وابنتي تسألني، لم يشترون من دكانه ما داموا يتخاصمون معه كل مرة؟ وسؤالها في الواقع هو المحك.
مُحدثي يعمل في مطعم صغير لبيع ساندوتشات الدونّر كباب التركية، تشبه الشوارمة، لكن كمية اللحم فيها مخيفة، قنبلة من السعرات الحرارية، لكني أحبها رغم ذلك. أذهب وابنتي إليه من وقت إلى آخر. فنتحادث. فمادام لساننا عربياً، سيكون من الغريب ألا نتحدث.
ومُحدثي شاب عراقي. عراقي شيعي. هرب من جحيم الحرب في العراق، عندما كانت الحرب المذهبية لا زالت مستعرة. عراقي سني يقتل عراقياً شيعياً، وعراقي شيعي يقتل عراقيا سنياً. وهو على قناعة أنه على الرغم من كل الأزمات التي حدثت في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين الديكتاتوري، فإنها تظل أفضل ألف مرة من حكم الرئيس السابق صدام حسين.
محدثي هرب من الموت والحرب. لكنه يظل مصراً على موقفه. هكذا يشعر.
ومن يخاصمونه عرب. هكذا وصفهم. سنيون. هكذا وصفهم. يأتون إليه كل مرة، كي يتخاصموا معه. يشترون الساندويتشات، يدفعون ثمنها، ويلعنونه وهم يفعلون ذلك!
لكن، انتبها لما أقوله الآن، خصامهم كان حول وصف الحرب بـ”المذهبية”. مخاصموه يصرون أن “أمريكا هي التي زرعت الفرقة والمذهبية في العراق”، وأنها “أشعلت الحرب المذهبية أو الطائفية عامدة متعمدة”، و”أن المذهبية طارئ جديد على المنطقة”.
وينزعجون منه دائما، ويودون دوماً لو يخنقوا صوته عندما يقول “كنا دوما منقسمين”، و”أمريكا ليست من زرع المذهبية والطائفية”، بل “كانت دوما فينا”!
هذه قراءتان للتاريخ. قراءة “مخاصمي محدثي”، تصف موقف أغلبية في المنطقة العربية، تصر على أن تقرأ التاريخ بعيداً عن الحقائق التاريخية لما حدث فعلاً على أرض الواقع. والثانية، قراءة محدثي، التي تعكس رؤية لأقلية أو أغلبية مهمشة تعرف دوما أن الانقسام كان موجوداً، وأنه ليس مزروعاً من قوى خارجية، بل هو خصيصة تميز هذه المنطقة ومجتمعاتها، لكنها هي أول من عانى بسبب القراءة الأولى للتاريخ.
***
كيف نقرأ التاريخ؟
عندما قلت لكما في المقال السابق إن “الأمة لم توجد قط”، ظن بعض منكما أني أمزح. لست جادة، أو لعل بعضكما همس في نفسه، “ها هي تغالط التاريخ من جديد”. وفي الواقع أنا جادة تماماً في ما أقول. فالأمة لم توجد إلا في ذهن من قرأ التاريخ وفقاً لهواه، ورفض أن يراها على تعدديتها وتنوعها. تعددية تجعل من الحديث عن أمة عبثاً.
أعود وأطرح السؤال من جديد “كيف نقرأ التاريخ؟”.
قراءة مخاصمي محدثي، هي في الواقع القراءة الرسمية لكثير من الدول العربية، تلك التي نقرأها في كتب تاريخنا.
هل قرأتِ تاريخاً للأقباط في التاريخ الذي يُدرس في صفوفنا المدرسية في مصر؟ أي والله لهم تاريخ، تاريخ عريق، وهو جزء لا يتجزأ من تاريخ مصر نفسها، وعمره خمسمائة عام! هل تعرفين شيئاً عنه؟
وهل قرأتَ تاريخاً أو رؤية للدين تعترف بوجود الشيعة في المملكة العربية السعودية؟ كيف يسمونهم في الكتب المدرسية السعودية؟ رافضة! ومصيرهم النار!
وغالبا عندما نتحدث عن المملكة نراها بوجة متجهم سلفي. لكن لو أزلت ذلك القناع سترى تعددية ملونة، بين طوائف سنية شافعية وغيرها صوفية، إضافة إلى الحنبلية الوهابية، وأخرى شيعية جعفرية وإسماعيلية وزيدية. تعددية، تعكس تعدد المناطق التي تتشكل منها المنطقة. لكن القراءة الرسمية للتاريخ في المملكة لا تعترف بهذه التعددية. كأن سكان المملكة لم يكونوا!
وهل قرأتما كتب التاريخ في اليمن، شمالاً أو جنوباً، ثم يمناً واحداً؟ كلها كانت ولا زالت تصر على أن ألوان المجتمع المذهبية غير موجودة، شافعية وزيدية وصوفية وإسماعيلية، وانقسامها القبلي ليس سوى تفصيل. وإذا لم تعترف بوجود هؤلاء كيف ستبني دولة تقوم على مفهوم المواطنة؟ فأساس مفهوم المواطنة، أنك تدرك أن هناك تنوعاً واختلافاً، تحترمه، وتصر في الوقت ذاته أن الوطن يجمع الكل في بوتقة واحدة. كن ما تكون، في النهاية أنت مواطن.
وماذا عن كتب التاريخ في سوريا؟ هل هناك أي ذكر لوجود الأقلية الكردية؟ أو تاريخ الكنيسة الشرقية بتعدد مذاهبها، ثم ماذا عن تاريخ الطائفة العلوية والدرزية؟ هل يشار إليها في سوريا؟ مجرد الإشارة إليها من فم شخص حسن النية ستودي به إلى السجن.
ولا تنسيا الأمازيغ (البربر كما هي التسمية الشائعة) في بلدان شمال أفريقيا، السكان الأصليين في تلك البلدان، هل تاريخُهم أيضاً يدرس ضمن التاريخ الرسمي لتلك الدول؟
والأقلية اليهودية؟ تلك التي كانت جزءا من نسيج مجتمعاتنا، ثم طردنا أغلبها بعد تأسيس إسرائيل؟ لو قيل لكما إنهم خرجوا بمحض إرادتهم لأنهم طابور خامس، كما قيل لي من سابق، أنصحكما بقراءة كتب تاريخ المنطقة بلغات أخرى غير العربية، وحبذا لو عدتم إلى أرشيف الصحف العربية التي كانت تصدر في تلك المرحلة التاريخية. ستجدون أن أغلبية من الأقلية اليهودية طُردت من أوطانها، وأُجبرت على ترك الغالي والرخيص، وأن من أجبرهم على ذلك هي الدول العربية نفسها وأنظمتها الحاكمة القائمة آنذاك.
بعض هذه الأقلية اليهودية لازال موجوداً في بلداننا. في سوريا، في لبنان، في مصر، في المغرب، في تونس، وبالطبع في اليمن. تصر أنها منا، وأن أوطاننا أوطانها، رغم رفض الأوطان والمجتمعات لها. أي وجود حزين هذا يا رب؟ هل نعترف بوجودها؟
لاحظا أني في كل حديثي هذا لا أجد أية مشكلة من وجود هذه التعددية في مجتمعاتنا. ليست مصدراً للفرقة والبلبلة. بل أعتبرها ضرورية.
لأن التعدد والتنوع كان دوماً سمة إنسانية.
كل منا له رأي، أو دين، أو مذهب، عرق، أو لغة، أو جنس، أو لون.
وهذا التنوع ضروري، بحكم أننا بشر، ولأن الإنسان ولد حراً. هو بالطبع لم يختر العرق أو الجنس أو اللون الذي ولد به. وغالباً ما سيتحدث بلغة محيطه. لكن هذه الخصائص الطبيعية لا تعد انتقاصاً في شخصه.
هو وهي هكذا.
ولدا هكذا.
وهكذا أقبلهما.
أقبلهما بلا تحفظ.
لا أرى فيهما سوى الإنسان.
بتنوعهما.
وأحترمهما.
أيضاً بلا تحفظ.
وبلا شروط.
لأنهما إنسان. مثلي. مثلكما.
وهما، مثلكما، ولدا أحرارا.
وحريتهما تستلزم اختيارهما للدين الذي يرغبانه، وللمذهب الذي يشاءانه، أو للرأي والموقف الذي يفضلانه. في الواقع حريتهما تستلزم حقهما في عدم اختيار أي دين إذا أرادا.
لا أرى مشكلة في هذا التعدد، وأُدين في الوقت ذاته تلك القراءة الرسمية للتاريخ في الكثير من دولنا العربية، لأنها ببساطة لا تريد أن تعترف أن مواطنيها متعددون، وأنهم متساوون أمام قوانينها رغم هذا التعدد.
وتصر على منظور يقول بأن الدولة لها هوية دينية، غالباً ما تكون مسلمة سنية (أو غير سنية وتخشى من السنة)، وفي الأغلب تحولت إلى حارس شخصي لمصالح فئة دينية، مذهبية، أو قبلية، ولأنها كذلك فإنها ببساطة تفتقد الشرعية، خاصة في نظر مواطنيها “الآخرين” ممن يريدونها أن تكون ممثلة لهم هم أيضا.
يريدونها دولة محايدة.
دولة مواطنين، متساوين أمام القانون بغض النظر عن دينهم مذهبهم قبيلتهم جنسهم عرقهم أو لونهم. أهو كثير ما يطالبون به هنا؟
لاحظا أن هذه القراءة الرسمية للتاريخ لا تقول بالضرورة إن هناك أمة، إسلامية أو عربية. هي فقط لا تعترف بتعدد مجتمعاتها. لكن معظم الدول العربية مدركة تماماً لمعطيات الواقع المجتمعي والسياسي في المنطقة، وأنها دول، ليست جزءاً من أمة، عربية أو إسلامية، وتدري أنها في سياساتها ستتبع حتماً ما تمليه عليه مصالحها الإستراتيجية، كدول ذات سيادة ولها حدود. معظم الدول العربية تدرك ذلك وتمارسه عملياً.
في المقابل، هناك قراءة ثانية للتاريخ.
قراءة الإسلام السياسي.
هي أيضاً ترفض التعددية لكن من منطلق مختلف.
وهي أيضا تقرأ التاريخ كأن التاريخ لم يحدث فعلاً.
قراءة محورها الأمة… أمة تكره!
ولأنها تكره، تدعوكما إلى القتل.
أسرد قراءتها عليكما في المقال القادم.
elham_manea@bluewin.ch