الحرب الكريهة

الحرب الكريهة

>عبد الباري طاهر
 المتابع لمجريات الحرب في صعدة، وبالأخص الحرب السادسة، يلاحظ وهناً في المبررات، والتباساً في الأسباب والدعوى، ورفعاً للحرب إلى مستوى خطة «الأرض المحروقة» الشِّعار الذّي لا يجوز رفعه أو ممارسته في مواجهة العدو الأجنبي، ويعتبر بكل المقاييس وفي كل الملل والنحل والشرعية الدولية «جريمة حرب»! وتتضافر مع خطة الأرض المحروقة المطروحة رسمياً شعارات أكثر عدوانية وتوحشاً: «التطهير» والإبادة والاستئصال، ويكون التهجير واقتلاع الفلاحين من أراضيهم الخصبة والغنية بالثروات والمعادن هدفاً رئيسياً ومشتركاً بين الدولة اليمنية والدولة السعودية.
كانت العربية السعودية ودول الخليج أكثر العرب مقدرة وقبولاً للتدخل لوقف نزيف الدم اليمني، وتحقيق مصالحة للجار الكبير والأفقر.
فجأة، وفي حمى الحديث عن تدخل إيراني، دخلت السعودية الحرب بضجيج إعلامي لا يقل عن مشاركتها في الحرب ضد العراق إلى جانب أمريكا وقوات التحالف.
ترافق دخول السعودية الحرب مع بدء تهجير قاسٍ وكبير لعشرات القرى «اليمنية» في الجانب السعودي.
في حين كان الجانب اليمني يقوم بتدمير ممنهج واستئصالي لعشرات ومئات القرى في صعدة والملاحيظ ورازح وحرف سفيان وكل المناطق الحدودية أو القريبة من الحدود.
أنكرت الولايات المتحدة أي دور مبرهن عليه لإيران في الحرب اليمنية اليمنية، وعجزت الدولتان المحاربتان عن تقديم برهان واحد على تدخل إيراني رسمي في الحرب.
كان إقحام إيران وحزب الله وإعطاء الصراع البعد الشيعي السني، الدخان الكثيف الذي يغطي على حرب إبادة واستئصال وتهجير حقيقي واستيطان لمئات القرى في الجانبين -اليمني والسعودي. فاتفاقية التفاهم الموقع عليها في مكة العام 2000، تضمنت ترتيبات لترسيم الحدود، واجهت مقاومة من السكان خاصة في الجانب اليمني وربما السعودي أيضاً. فسلسلة جبال «السراة» الممتدة بين البلدين بقبائلها ووديانها وبيئتها عميقة التداخل وروابطها قوية.
وقد تضمنت الاتفاقية فصلاً شاملاً كاملاً بين مئات القرى والأسر والقبل الواحدة. وبدأ النظام السعودي بتواطؤ رسمي يمني لإقامة سور عازل، غير مدرك استحالة جدار فصل أكثر من عنصري لأرض متداخلة بل واحدة. فملكيات الأرض في الجانبين متداخلة، وروابط الأسر قوية، وذاكرتها اليمنية أقوى من أوهام ومطامع الحكام هنا وهناك.
لم يستطع الجدار أن يمضي رغم الإغراءات والتواطؤ حد التفريط، وقاوم المواطنون «عزل الأخوة التاريخية والأبدية بين أبناء بلد واحد موحد منذ القدم. فكانت الحرب هي الجريمة الكبرى التي يهرب إليها الجميع.
قام الطرفان اليمني والسعودي بما يشبه الحرب الاستباقية. فالمعارضة للاتفاقية تعلن عن نفسها في رفض إقامة جدار الفصل.
أليس لافتاً أن يقوم الجانب اليمني بما يشبه الإبادة لمئات القرى والتهجير باتجاه المجهول، وهو نفس ما قام به النظام السعودي منذ الساعات الأولى لبدء التدخل في اليمن؟
تبدأ السعودية التدخل بتهجير عشرات القرى إلى خيام مؤقتة، ويجري الاستعداد للإسكان في شقق، وربما تدمير قرى بكاملها، والدفع بالفلاحين في الجانبين إلى العمق.
نعرف حماس الحكم السعودي لبناء جدار الفصل، ولكن الحماس الرسمي اليمني لجدار فصل يمزق أواصر الأخوة والقربى والمصالح بين الإخوة اليمنيين في الطرفين، هو المحير. ولم يعد الأمر خافياً أو مستتراً.
هل يكون الرد على التدخل الإيراني التي لا يربطها باليمن حدود بتدمير مئات القرى في صعدة، وتشريد المواطنين وتهجير السكان في الجانب السعودي، واقتلاعهم من أرضهم ومزارعهم وقراهم وبيئتهم، ووضعهم في خيام أو شقق؟
هل تحارب اليمن إيران أو التيار الشيعي حسب الدعاوى السلفية، بشعارات من نوع خطة «الأرض المحروقة» أو حرب الإبادة والتطهير والاجتثاث، وقتل مواطنيها؟
تتحدث الصحافة السعودية جهاراً نهاراً عن إعادة الاستيطان، ويدعو الصحفي عبدالعزيز جار الله الجار الله إلى مناطق آمنة بين حدي البلدين، وذلك بإبعاد القرى المتاخمة -لاحظوا- إبعاد القرى المتاخمة عن خط الحدود بمسافات كافية حتى يتمكن حرس الحدود والجيش من المراقبة. ويطالب بإنشاء قرى جديدة بمواصفات أمنية من خلال موقع جغرافي غير معقد يكون مفتوحاً ليسهل على رجال أمننا المراقبة والحماية. ويطالب أيضاً بنقل سكان القرى الحدودية داخل الحزام الآمن في عمق منطقة جيزان. (راجع “الاقتصادية” السعودية 14 نوفمبر- تحت عنوان “إعادة الاستيطان”).
نجاح إسرائيل في إقامة جدار الفصل العنصري، وتمزيق الضفة الغربية بتغاضي مجموعة محمود عباس أو احتجاجهم الواهن أو انشغالهم بالصراع على سلطة محكومة وتابعة، هو ما أدى إلى تمزيق الضفة، وغرس المستوطنات في مختلف المناطق.
أما في اليمن فتتشارك الحكومتان في تدمير وقتل وتشريد وتهجير المئات والآلاف من قراهم في صعدة ونجران وجيزان وعسير في ظل صمت وتمالؤ عربي ودولي.
التدخل الإيراني في صعدة لا يبرر خطة “الأرض المحروقة”، ولا إبادة المواطنين وقتلهم وتشريدهم. ثم بالله ما دخل قرى نجران وعسير وجيزان ليقتلعوا من قراهم وأرضهم؟
تقوم السعودية منفردة بحصار المياه الإقليمية اليمنية والشواطئ والموانئ. كما تقوم بقصف القرى اليمنية من البر والبحر والجو، ثم تقوم بهجير سكان القرى اليمنيين في الجانب السعودي.
لم يستطع الجيش الإسرائيلي هزيمة حزب الله في جنوب لبنان، ولم يستطع هزيمة أو تركيع غزة المعزولة والمحاصرة، وجدران الفصل العنصري لا تستطيع إماتة الحق الفلسطيني أو إلغاء قضيته.
قوة العربية السعودية ليس في جيشها ولا في مكنتها الحديثة، ولا في جيش الجهاد ذي الطبيعة «المذهبية» الجهادية السلفية، ولا في دعوات «المطاوعة» التكفيرية. قوة السعودية في دعوات التجديد والتحديث والتنمية، وقيام علاقات أخوة عربية وإسلامية صادقة.
حربها على مواطني جارتها اليمن حتى لو كانت بإغواء أو إغراء، جريمة حقيقية، وبتهجيرها لأبناء عسير وجيزان جريمة أيضاً لا يبررها تمرد صعدة أو تدخل إيراني.
قد يكون لهذه الحرب الإجرامية أهداف كاثرة في مقدمتها تحويل الصراع من عربي إسرائيلي إلى صراع مذهبي وطوائفي، والتغطية على جرائم حروب الإبادة والفصل العنصري في فلسطين. وتحاول السلطات في اليمن والسعودية استعادة الابن الضال -الجهادي بالحرب على العدو المشترك –الشيعي. ويقيناً فإن صراعات القصور والعجز عن بناء الأوطان وخلق هوية وطنية وقومية، وبناء تنمية وتحديث حقيقيين.. كلها تدفع لحرب إجرامية بكل المعاني.
——–
كرامة ناقصة على الحدود الشمالية
ماجد المذحجي
 
حتى الآن لم تنجح السعودية في القضاء على ميليشيا الحوثي المتسللة إلى داخل حدودها كما تردد الحكومة ووسائل الإعلام السعودية، ولكنها نجحت في شأن آخر على الأغلب: تحويله من قائد ميليشيا إلى ما يشبه حارساً للكرامة اليمنية على الحدود الشمالية، خصوصاً حين تصبح السيادة أمراً ساقطاً من الحسابات الرسمية اليمنية في مواجهة الشقيقة الكبرى كما يبدو عليه الأمر!
يثير هكذا تقدير قدراً كبيراً من الحساسية الرسمية حين يضعها في موقف المتخلي عن اعتبارات الكرامة والسيادة الوطنية، ولكنه ضمنياً ينسحب على إحساس الكثير من اليمنيين مازالت السعودية تحضر بالنسبة لهم كطرف غير نزيه في ما يتعلق باليمن، وحيث هي المتصرف السري السيئ بمصير هذه البلاد لفترات طويلة، كان فيها طموح اليمنيين ببلد محترم وذي استقلالية في قراره ومصيره، يجابه بالنفوذ السعودي المسكون بوصية مؤسسها عبدالعزيز لأولاده “خيركم من اليمن وشركم من اليمن”.
لم توفر السعودية أسباباً لغير هكذا تقدير في إدارتها على معركتها على الحدود اليمنية وداخلها، حيث يصبح الحق السعودي في التصرف لحماية نفسها متعدياً أي اعتبارات، وبسهولة يصبح من حق قواتها أن تقصف، وبأكثر الأسلحة حداثةً وفتكاً ودماراً، القرى اليمنية، متسببة بمقتل الكثيرين دون أي تمييز كانوا حوثيين أم مواطنين مغلوبين على أمرهم. وحين يصبح من حق القوات البحرية السعودية حصار ميناء ميدي اليمني، ضمن المياه الإقليمية اليمنية، لاعتبارات أمنية تتعدى الحصار لاحقاً لتصل إلى قصف قوارب الصيادين ومؤخرة الميناء بالطائرات، دون أدلة على أي تهريب للسلاح وفق التبرير الشائع، وهكذا فإن الحاصل في كل ذلك حين يخص السعودية أن لا كرامة لليمنيين حتى في أرضهم بمواجهتها!
تتحدث شكاوى كثيرة، وإشاعات غير مؤكدة حتى الآن، عن نقل معتقلين يمنيين من الذين يدخلون تهريبا للعمل في السعودية، إلى خطوط المعارك، وعن اعتقالات دون تمييز للاجئين اليمنيين في السعودية، حيث الضرورة، كما يبدو، تقتضي وجود أسرى حوثيين يجب توفيرهم بأية طريقة أو ثمن، حفاظاً على كرامة الجيش السعودي في معركته الظافرة ضد “المتسللين”، وهنا لا يصبح مهماً التمييز بين مواطنين منكوبين في هذه الحرب أو مقاتلين فعليين، ففي الأخير ينتمي الاثنان لبلد لا يستطيع حماية مواطنيه، بينما يجب حماية الكرامة السعودية بأي ثمن، وهي كرامة يبدو أن وقودها دماء اليمنيين فقط في هذه الحرب.
يزداد الوضع تدهوراً بالنسبة للمواطنين اليمنيين على الحدود مع السعودية، والتي تفاقمت مع دخول الأخيرة طرفاً في حرب صعدة، وعلى الرغم من المناشدة المتكررة من منظمات الإغاثة الدولية، كان آخرها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فإن السعودية لا تلقي بالاً للأمر ولا تقدم أية مساعدات فعلية أو تسهل الأمر على قوافل الإغاثة الدولية التي تريد إذناً فقط بالدخول من جهة الأراضي السعودية للوصول للاجئين اليمنيين العالقين، حيث الأمر مرهون بموافقة أمنية من قبلها، وعلينا عقب ذلك أن نشاهد قناة mbc وقناة العربية، التي أصبحت أشبه بجهاز تعبوي للجيش السعودي، وهي تتحدث عن تحول مخيمات المواطنين السعوديين إلى أشبه بمدن مكتملة الخدمات، بينما على الطرف الآخر من الحدود، حيث لا تتعدى المسافة عشرات الكيلومترات فقط، هناك آخرون متروكون في العراء دون حيلة، وهم عرضة للموت إما بالقصف أو الجوع أو البرد.
اعتبارات السيادة حين تخص الدولة، والكرامة حين تخص مواطنيها، تتجاوز فكرة العصبية بمعناها البدائي لتصبح تعريفاً لحضورها بمقابل الآخرين ومدى استقلاليتها وحصانتها تجاه “تغولهم” عليها. وافتقاد الحساسية تجاه كل ذلك مؤشر مفزع على المسافة التي تفصل الناس عن انتمائهم الوطني. وبهكذا حساسية منخفضة حتى الآن يُمكن إدراك الحضور الضعيف لهذه الاعتبارات في السياسة اليمنية، والإعلام اليمني، حيث يصبح ما يحدث لليمنيين في الحدود الشمالية شأناً لا يخص اليمنيين! وتهيمن السعودية بسوطها الطويل في اليمن، مانعة أي شخص من الاقتراب من هذا الشأن، حيث لا يجب التشويش على معركتها للقضاء على المتسللين، حتى وإن اقتضى الأمر قتل بعض اليمنيين أيضاً، وإن بالخطأ.