قراءة في التطبيع العربي- الإسرائيلي

أولًا: نظرة عامة حول التطبيع العربي -الإسرائيلي:

عندما نتحدث عن التطبيع العربي مع إسرائيل، أؤكد أنه قد ارتقى إلى العلنية، بعد أن لازم السرية طيلة أربعة عقود، بخاصة في بعض الدول العربية التي أنشأتها شركة الهند الشرقية البريطانية، التي تأسست بموجب ميثاق ملكي في 31 سبتمبر 1600م، وامتد نفوذها منذ 1700م إلى البصرة والخليج ومشيخات الساحل العماني وجنوب غرب آسيا، وتعد الشركة كيانًا سياسيًا استعماريًا، حكم نصف الكوكب بالمشاركة مع الحكومة البريطانية، بغية الهيمنة التجارية والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية على المنطقة بأسرها.

الجدير بالذكر، أن الاستعمار البريطاني لم يترك هذا النطاق الجغرافي المعروف بـ"منطقة الخليج وجنوب غرب آسيا" الواعدة بالثروات النفطية والغازية، إلا بعد أن صاغ كيانات جديدة على امتداد المنطقة، وفق اتفاقات ومعاهدات ووثائق، حيث دان له الوضع، ونصب عليها ملوكًا وأمراء ومشايخ، وكدأبه محدثًا بؤرًا قابلة للاعتراك في ما بينهم أو مع آخرين، تمكنه من التدخل عبر سياسته المشهورة "فرق تسد"، وفي نفس الوقت منصبًا نفسه وليًا للأمر ليقضي الفصل في شؤونها متى كان الأمر ضروريًا، وعلى الجميع أن يصغي، وينفذ.
لذا، أصبح قرار هاتين الدولتين بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأميركية، ملزمًا، ونافذًا في المنطقة، فكلتاهما من عجينة أنغلو- ساكسونية، ولا عجب من تصرفاتهما ومنهجية سياستهما الإمبريالية المستعلية تجاه هذه المنطقة، والتحكم فيها بجرة قلم.
ويستحضرني حديث السيد ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، أثناء وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، محذرًا بلدان المنطقة، بقوله: "إن قطرة من النفط في الحرب، تساوي قطرة من الدم"، وإن "هذا النفط في المنطقة ملكنا، لن نتنازل عنه، وسنحارب من أجله"، وقد سبقه ثم تبعه ساسة بريطانيون، وأميركيون بنفس الأسلوب.
لذا، فإن بعض السياسات الخارجية لتلك البلدان عادة ما تتدخل فيها بريطانيا، وأميركا وفرنسا، الآمرات الناهيات، نظرًا لعدم وجود قرار عربي مشترك رادع لتلك الممارسات الاستعمارية.
وتفاديًا للتدخلات الأجنبية في شؤون الدول العربية، يجب أن تصدر حلول إصلاحية للجامعة العربية بتكليف بعض دولها لقيادة العمل العربي المشترك بالتناوب، وبدعم ومساندة جميع الدول الأعضاء في الجامعة، يكون أولوياتها تغيير ميثاق جامعة الدول العربية بما يتفق والعمل العربي المشترك، بحيث تكون القرارات ملزمة بالأغلبية في ما يتعلق بالشؤون الاستراتيجية،، يليه القيام بتغيير "الجامعة العربية" عما قريب إلى "اتحاد عربي" بهيكلته التنظيمية على غرار الاتحادين الإفريقي والأوروبي، وبما ينسجم مع التطورات الإقليمية والدولية، ويكون للعرب وحدة قرار، ومكانة وقوة تفرض نفسها بين الأمم.

 

ثانيًا: مبادرة السلام العربية مع إسرائيل/ مارس 2002م في "بيروت":

يقينًا، إن مسألة مبادرة السلام العربية مع إسرائيل قد طرحها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، في نهاية مارس عام 2002م، بموافقة عربية، في مؤتمر القمة العربية في "بيروت"، على أساس "الأرض مقابل السلام"، لكن المبادرة لم تلقَ ترحيبًا أو آذانًا صاغية من قبل مسؤولي الكيان الإسرائيلي -الصهيوني المحتل، وكدأبهم ينتهجون سياسة "اللامبالاة، والمماطلة"، ويستأنفون بناء المستوطنات بما يتبقى من الأراضي الفلسطينية.
ومما زاد الطين بلة، اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 6 ديسمبر 2017م، بـ"القدس" عاصمة لدولة "إسرائيل"، وافتتاح السفارة في 14 مارس 2018م.
ويعد هذا الاعتراف، مخالفًا لجميع القرارات الدولية، أضف إلى ذلك، تخلي "إسرائيل" عن التزاماتها مع الفلسطينيين في حل الدولتين.
وعليه، أصبح الوضع الساري أمامنا هو: "الإذعان مقابل السلام".

ثالثًا: إعلان التطبيع الإماراتي في منتصف أغسطس 2020م:

إن إعلان التطبيع العلني الإماراتي -الإسرائيلي يعتبر -حسب مراقبين- خطوة يليها تدريجيًا تطبيع علني مماثل من دول أخرى في المنطقة.
ولأهمية هذه المنطقة، فإن هذا التطبيع عمومًا يسدي خدمة جليلة لإسرائيل والاستعمار الصهيوني في تنفيذ مشروع القرن، الذي من خلاله يعني ضمان السيطرة على الاقتصاد العالمي، وكبح جماح الصين من التفوق الاقتصادي.

 

رابعًا: أهمية المنطقة العربية في التطبيع:

إن المنطقة العربية عمومًا تشكل مرتكزًا حيويًا للمشروع الصهيوني لما تنعم به من موقع استراتيجي، ولما تملكه من موارد تشمل النفط، والغاز، والمعادن: مثل اليورانيوم، والبلوتونيوم، والألماس، والذهب... الخ.
وهي بحاجة إلى حماية هذه الموارد من مواقع الاستخراج مرورًا بالبحار حتى وصولها إلى مقراتها الاستعمارية الأساسية.
وبناء عليه، لزم التحكم بالممرات الاستراتيجية، والجزر، والموانئ، واختيار المواقع المناسبة لتخزين البضائع، وضمان عبور الناقلات النفطية العملاقة، والأساطيل، والبواخر التجارية… الخ.
لذلك، فإن تأمين هذه المنطقة الاستراتيجية الغنية يعد عصب هذا المخطط الرئيس للمشروع الصهيوني الذي ستلعب من خلاله "إسرائيل" دورًا محوريًا في المنطقة.

 

خامسًا: صياغة المنطقة لخدمة مشروع القرن:

من الجدير بالذكر، أن صياغة المنطقة بدأت كفكرة جدية قبل عقود، ثم تبلورت منذ عام 1974م، وأصبحت مشروعًا جاهزًا في الثمانينيات من القرن الماضي، وتم طرحها أمام "الكونغرس" في عهد الرئيس رونالد ريغان، وخرجت إلى العلن لاحقًا في فترة وزيرة الخارجية كونداليزا رايس (2001-2005م)، التي كنت تشغل أيضًا منصب مستشارة الأمن القومي الأميركي (2005-2009م)، في عهد ولاية الرئيس جورج بوش الابن، تحت مسمى "مشروع الشرق الأوسط الكبير" الممتد من أفغانستان شرقًا، حتى اليمن والصومال جنوبًا، ثم السودان، مرورًا بالصحراء الغربية حتى موريتانيا غربًا، وعلى أساسه، يناط بدولة "إسرائيل" دور إداري، واقتصادي وأمني وعسكري في المنطقة العربية، ثم تم العدول عن هذه التسمية إلى "مشروع الشرق الأوسط الجديد"، و"تصالح الأديان" تحت مظلة الديانات الإبراهيمية الثلاث: اليهودية، والمسيحية، والإسلامية.
وقد كرس الأميركيون جهودهم في بدء العمل لتنفيذ هذا المخطط بما يلبي طموحاتهم الصهيونية في مشروع القرن منذ مطلع الألفية الثالثة تحت غطاءات عدة، بدأ التنفيذ الجدي له بخطوات إيقاعية متسارعة منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي، من خلال الفوضى الماسونية المتمثلة بحروب، وانتفاضات شبابية في المنطقة التي عم فيها الظلم والفساد.
كل ما كان يراد به من تلك الفوضى، هو تسريع وتيرة التدخلات الاستعمارية الصهيونية ووكلائها في المنطقة بغية الدفع قدمًا في عجلة تنفيذ المشروع الإمبريالي الصهيوني.

 

سادسًا: اليمن ضحية مشروع القرن:

وتأسيسًا على المعطيات السابقة، تعتبر اليمن إحدى المحطات الرئيسة المستهدفة لمشروع القرن، بل ضحيته، لأسباب كثيرة، منها: موقعها الاستراتيجي، وثرواتها، وتاريخها... الخ، حيث امتدت لها النفوس الطامعة، واستغلت فرصة للبسط على جزرها وموانئها وممراتها الاستراتيجية وأراضيها الغنية بالنفط، والغاز، والمعادن... الخ.
قصارى القول، إن جل الشعب اليمني يدعو الدول المعتدية والمتورطة في اليمن، والمنتهكة أراضيها وسيادتها بصورة مخالفة لكل القوانين والأعراف الدولية وقرارات مجلس الأمن، إلى أن عليها أن ترحل، وتترك لليمنيين أن يقرروا مصيرهم بما يناسبهم. ويجب أن يدركوا أن اليمن عصية على المعتدين، فتاريخ اليمن منذ خمسة آلاف سنة خير شاهد على ذلك، وكل ما نريده الاتعاظ.
في واقع الأمر، اندحرت أمم وبقيت اليمن، وستظل لافظة وطاردة لكل محتل، ومن التاريخ تستقى العبر.