تحية وتأملات في ذكرى ثورة سبتمبر 1962!

بمناسبة ذكرى ثورة ٢٦ سبتمبر، أهنئ الجميع وأقول:
الثورة -أية ثورة- هي نتاج ظروف وسياقات تاريخية واقتصادية وسياسية واجتماعية وإقليمية وعالمية.والتقييم المنصف والموضوعي لأية ثورة، ينبغي أن يتناول كل ما سبق، إلى جانب أهداف الثورة، ثم منهجها وأدائها على الواقع ورموزها وخطابها…
ثم يقيم ما تحقق من أهدافها بعد مضي فترة كافية، ليقيس مدى صدق الثوار، وكذا مدى واقعية الأهداف، ويحلل الأسباب التي أعاقت تحققها.

لا يمكن أن يختلف اثنان على عظمة ونبل أهداف ثورة ٢٦ سبتمبر الستة.. ولكن أيضًا غير مقبول أن يحولها البعض إلى وثن مقدس غير قابل للنقد، وهي نفسها كانت ثورة نحو التحرر والديمقراطية.
وعند النقد ينبغي التمييز بين الأهداف، وبين الممارسات العنصرية لبعض الثوار من إعدامات على الهوية واللقب.
وللأمانة، فطبيعة الثورات في العالم كله -بالذات سابقًا- كانت تسمح بممارسات خاطئة كثيرة، وهذا ليس بالضرورة مقصودًا أو متعمدًا أو مخططًا له أو حتى مقبولًا من جميع الثوار. بل على العكس، فقد ثبت أن كثيرًا من الثوار رفضوا تلك الممارسات والإعدامات والممارسات العنصرية.
وأساسًا فكثير من الثوار هم هاشميون.
أن تعترف بوجود قصور وأخطاء، لا يعني رفضك للتغيير، ولا يعني موقفًا مؤيدًا للملكية للأبد، أو ضد الجمهورية بكل قيمها للأبد!
لكن لا يمكن أن يتجاهل أحدهم أو إحداهن أن زوجه أو أخاه أو والده تم إعدامه بلا محاكمة بسبب لقبه تحت عنوان “الثورة”.
لأنه لا يملك إلا أبًا وحيدًا… وسيشتاق له ويفتقده طيلة حياته.
أنا أقصد أنه لا داعي للحساسية والتشنج حين نناقش تاريخنا.
كل الشعوب تراجع تاريخها وثوراتها؛ وتعيد تقييم ثورات وأحداث وشخصيات عامة من جديد، والناس غالبًا تنقسم ما بين موقفين أو رأيين.
ولكن هذا لا يعني أن يتحولوا إلى أعداء!
هناك مثلًا أفلام فرنسية ستشاهدها منذ سنوات تتعاطف مع لويس السادس عشر ومع ماري أنطوانيت، وتبرز الوجه القبيح لبعض الثوار!
هذا ليس موقفًا ضد التغيير أو الثورة، أو دعوة لعودة الملكية بالطبع! بل هو موقف منحاز للحقيقة وللصدق.
الحقيقة قيمة لذاتها.
حتى في مصر منذ عقد تقريبًا لاحظت كتابات وآراء من شخصيات عامة بدأت تدافع عن الملك فاروق بصراحة.
أنا لا أعرف الحقيقة، وأهل مصر أدرى بتاريخهم، ولكن ما يطرحونه يشدني ويثير فضولي.
ومن قبلها هناك أفلام قوية بموافقة السلطات المصرية، سلطت الضوء على أخطاء وجرائم وانحرافات بعض الضباط الأحرار خلال الثورة وبعدها، حتى حدوث النكسة.
هذا ليس بالضرورة موقفًا مع الملكية ضد الجمهورية، بل أكرر أن هذا هو موقف منحاز للصدق والعدل والموضوعية.
والملكية والسلالية “كنظام” كان نظامًا حاكمًا في العالم كله، وفترة مرت بها كل البشرية. ثم تيقظت أغلب الشعوب أن هذا ينطوي على ظلم. وقامت الجمهوريات، ولكن هل كان النظام الجمهوري هو الحل السحري فعلًا لكل المشاكل والمعاناة وجوانب القصور؟
لأنه في المقابل ظلت هناك ملكيات قائمة حتى اليوم، مثل بريطانيا وهولندا والسويد واليابان والممالك الخليجية… وظروف الشعوب في بعضها (بخاصة في أوروبا) هي أفضل من كل الشعوب من أغلب النواحي اقتصاديًا، ومن ناحية الحريات والحقوق والنظام والقانون.
التغيير والتطور لا يأتي إلا عبر الاستفادة من التجارب والخبرات التي يمر بها الباحث أو الشعوب، أو تأمل تجارب الآخرين.
فلا يوجد حق مطلق إلا الله جل جلاله، بل إنه حتى الله يُكفر ويلحد ويشرك به، وينكره البعض -وهذا حقهم الذي منحهم الله-وهو وحده سيحاسبهم عليه.
ولا يوجد شر مطلق إلا الشيطان، وحتى هو هناك من يدافع عنه، ويتعاطف معه، ويبرر له، بل هناك من يعبده!
أخيرًا… برأيي الشخصي، ثورة ٢٦ سبتمبر كانت ضرورة في حينها، وكانت تطورًا طبيعيًا، بل إن أهم رجال وأركان النظام الإمامي قد بدأوا قبلها بالثورة الدستورية (العلامة عبدالله بن الوزير كان الرجل الثاني بعد الإمام يحيى، وهو قائد ثورة ٤٨).
لكن في ما يخص جريمة اغتيال الإمام يحيى، بالنسبة لي لا أصنفها إلا جريمة، وهذا موضوع آخر.
بل ثبت أنه حتى بعض أبناء الإمام يحيى الذين كانوا في مناصب رفيعة وسافروا واطلعوا على الخارج، كانوا يطالبون الإمام، ويحاولون إقناعه بضرورة التغييرات الجذرية في بعض الجوانب.
وقد ثبت أنه كان قد بدأ يستجيب لبعضها فعلًا.
هذا أيضًا يجرنا للحديث عن مدى موضوعية من يبالغ في تشويه فترة الحكم الإمامي، فيجعله كأنه كان بلا أية ميزة!
بينما بعض المنصفين مثل السفير محسن العيني الذي كان رئيس وزراء بعد الثورة، وصف الإمام يحيى في برنامج “شاهد على العصر”، بأنه باني اليمن الحديث.
كذلك شهادات بعض المعاصرين أو المؤرخين أو الباحثين الغربيين، تشهد أنه في عهد الإمام يحيى كان القضاء قويًا وعادلًا، وكان هناك أمن، وكانت اليمن دولة ذات سيادة وهيبة.
هذا لا يعني أنني أزعم أن اليمن والشعب كانوا في أفضل حالاتهم. لكن بالمناسبة حتى يهود اليمن الذين عاصروا فترة الإمام يحيى، كانوا يحبونه ويمدحونه، من التقى بعضهم في الخارج يؤكد هذا (بالنسبة لعملية بساط الريح، لا خلفية حقيقية عندي عن دوافعها وأسبابها وظروفها).
لكن أتذكر هنا ما سمعته من والدي عن علاقة “جد والدي” الجميلة باليهود، وكيف كانوا ضيوفًا أحيانًا في مقيله، وكيف مشى كثير منهم في جنازته.
هذا يعكس جانبًا مهمًا عن طبيعة المجتمع اليمني المتآلف آنذاك (في عهد الإمام يحيى).
أكرر أن كل ما سبق لا يلغي أن اليمن كانت بحاجة للتغيير وللانفتاح على العالم أكثر، وللتأثر به، وتطوير ثقافة المجتمع في ما يخص وسائل الاتصال والتواصل ونوعية التعليم والموقف من المرأة والعدالة الاجتماعية والحريات وغيرها من الأمور.
الجانب الاقتصادي إن قررت القراءة عن فترة ما قبل  الثورة لتحديد موقفك، ستحتار لأن الصور عن تلك الفترة تنقل لك صور شعب منهك وجائع (ربما أنت بحاجة لتقارن صور الشعب اليمني مع صور شعوب أخرى في نفس الفترة، لقياس مدى تأخره عنهم).
ولكنك أيضًا ستجد ما يؤكد أن اليمن كانت دولة مستقلة اقتصاديًا، لا تنتظر المساعدات من أحد، بل على العكس كانت تقرض الجيران أحيانًا حبوبًا.
وستعرف أن الإمام يحيى كان قد أبرم اتفاقيات مع الأمريكيين (وقعها عنه ابنه سيف الإسلام عبدالله)، لتشييد سكة حديد تغطي أجزاء كبيرة من اليمن، إلا أن اغتياله حال دون استكمال المشروع.
وهذا متوفر في وثائق أمريكية متاحة على الإنترنت، كما أكد أحد الباحثين.
كذلك الاتفاقيات مع إيطاليا، وافتتاح المطار وطريق صنعاء -الحديدة مع الصينيين والمستشفى في الحديدة، ومدرسة التمريض للنساء… (أغلب هذه المشاريع كانت في عهد الإمام أحمد).
المهم أنك إن أردت أن تقول بضمير مطمئن إن الأئمة كانوا هم التخلف و الشر المطلق لليمن، وأن الثوار كانوا هم التطور والخير المطلق لليمن، فلا يمكنك هذا.
نعود إذن لنكرر نفس الفكرة: التعميم في كل الجوانب هو خطأ وغباء وظلم ومستحيل ومجانب للصواب.
ومن حقنا كأجيال لم تعش فترة ثورة ٢٦ سبتمبر، أن نتساءل عن الحقيقة دون إرهاب فكري واتهام من أي طرف.
ولو عدنا للواقع، فكثير من أبناء اليمن لم يؤيدوا ثورة ٢٦ سبتمبر، بل واجهوها بالمقاومة المسلحة لسبع سنوات! ولم يستقر الأمر إلا بـ”مصالحة بين المليكيين والجمهوريين”، برعاية سعودية.
لكن الأمر لا يعكس أحقادًا وكراهية، فقد كان البيت الواحد أحيانًا يضم أخًا ملكيًا وآخر جمهوريًا!
كثير هاشميين كانوا من قادة ٢٦ سبتمبر، بل فجر أحدهم منزل والده في قريته بنفسه خلال الثورة وحماسها، بينما كان هناك مشايخ وأبناء قبائل ملكيين متعصبين جدًا للملكية، وقدموا دماءهم في سبيلها.
كما اشتهرت قصة بعض القبائل التي كانت جمهورية في الصباح وملكية في الليل أو العكس.

ولهذا فمحاولة استغلال ذكرى ثورة ٢٦ سبتمبر لفرز الناس وإشعال مزيد من الصراعات والكراهية، هو خطأ كبير برأيي.
وموقفي الشخصي الذي استقررت عليه أنه علينا أن نحترم بعضنا، فكل هذا هو تاريخنا سواء النظام الإمامي أو ثورة ٢٦ سبتمبر.
ولو الأمر بيدي لجعلت في المتحف الوطني زاوية لكل رموز وحكام اليمن وصولًا للمعاصرين منهم… أبرز فيه نجاحاتهم ومواقفهم الوطنية.
فكلهم لهم محبون وأشياع، وكل هولاء يمنيون.
وكل الحكام بشر أصابوا وأخطأوا.
ولا يعلم النوايا والخفايا إلا الله جل جلاله.
وفي المقابل، سأسمح بالنقد والبحث الموضوعي المهذب الذي لا يسعى لإشعال فتن وعنصريات، بل يسعى لقراءة التاريخ بإنصاف، وأن يقترب للحقيقة قدر الإمكان.
هذا يختلف بالطبع عن التحريض والانتقاص من بعضنا، والإساءة لبعضنا.
لن نضيف للوطن شيئًا بكراهيتنا ورفضنا واتهامنا لبعضنا، بينما تقبلنا لبعضنا سينعكس تعايشًا واستقرارًا.
إن عجزت عن تقبل الماضي دون أحقاد، فعلى الأقل لا تحاسبني ولا أحاسبك على تاريخ لم نشارك في صناعته.
ولكن فلندخر جهدنا وطاقتنا لنقاش واقعنا اليوم، ما هي أولوياتنا؟ ما الذي نحتاجه فعلًا؟ ما الذي يستحق أن نختلف عليه؟ وكيف نتفق؟
وفي النهاية التغيير سنة من سنن الكون.
وفي ما يخص السلطة، يقول القرآن: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، ويؤكد هذا الواقع والتاريخ والحاضر كله.