شكسبير باللهجة العدنية

تسجل فرقة خليج عدن بقيادة المخرج عمرو جمال، حضورًا جديدًا متفردًا عبر النسخة العدنية من مسرحية الأديب العالمي شكسبير “هاملت”، مثلما تفردت هذه الفرقة من قبل بإنتاج فيلم “عشرة أيام قبل الزفة”، متحدية الظروف التي أوجدتها الحرب، والتي ماتزال تعصف بالبلاد حتى الآن، وفي غياب شبه كامل لأي دعم او اهتمام من الجانب الحكومي بمثل هذه الأعمال الإبداعية.

منذ أيام كنت أحد الحضور في قاعة المجلس التشريعي التي احتضنت عروض الفرقة خلال هذه الفترة، برفقة الصديق عمرو الإرياني، رئيس الدائرة الثقافية في المجلس الانتقالي، والذي تولى ترجمة المسرحية إلى اللهجة العدنية. كان محيط المبنى ممتلئًا بالحضور من الجنسين، وفي الداخل بالكاد وجدنا مكانًا في جزء من قاعة المبنى الذي كان في الأصل كنسية تم بناؤها في حقبة الاستعمار البريطاني للمدينة، وطوال العرض المسرحي كان الجميع منصتًا باهتمام، ومتفاعلًا بقوة مع المشاهد التي اختلطت فيها الدراما بـ”القفشات الضاحكة”.

أجواء من البهجة ارتسمت على وجوه الحاضرين، ذلك أن المدينة التي تتنفس البخور، وترتشف الفنون، أنهكتها الصراعات، وسكانها متمسكون باستئناف حياتهم التي اختطفتها الحرب، لكنها عصية على الانكسار، ودائمًا ما تشعل ضوء المدنية والتعايش عند كل منعطف يريد أن يقودها خارج كينونتها.

مهابة المكان التاريخي ونمطه المعماري وموقعه المطل على الحي القديم (كريتر)، أضاف بعدًا جماليًا آخر للمسرحية التي تدور أحداثها في القارة الأوروبية، غير أن الأجمل في هذا العمل الإبداعي، هو أن المخرج عمرو جمال وصديقه الشاعر عمرو الإرياني، وضعا لمساتهما الساحرة على الأداء من خلال الطابع الفكاهي الذي طعمت به بعض أجزاء من مشاهد المسرحية التي تتحدث عن محنة ولي العهد “هاملت”، بعد ان قتل والده على يد عمه، وخسر محبوبته، وتزوجت والدته من قاتل أبيه، وينتهي العرض بمأساة مقتل ولي العهد ووالدته وعمه.

تمتلك فرقة خليج عدن، قاعدة جماهيرية عريضة في كل المحافظات، ومؤخرًا تمكنت من تسجيل حضور عربي، وهي قريبًا تطرق أبواب الحضور العالمي من خلال مشاركتها في مهرجان برلين، وعن قرب من الصديق المخرج عمرو جمال، أعلم كم من الجهد يبذله في سبيل بقاء الفرقة وازدهار المسرح، لكنه وزملاءه بدون سند حقيقي من الجانب الحكومي أو غيره، لأنهم يعملون من أجل الفن وله، وفي سبيل إعادة الوجه الجميل للمدينة التي كانت رائدة في المسرح والفنون، وحاضنة للثقافة، ورمزًا للتعايش.

لك أن تتصور أن مدينة مثل عدن، والتي أنشئت فيها أول دار عرض سينمائي في ثلاثينيات القرن الماضي، لا تمتلك حتى الآن مركزًا ثقافيًا، ومسارحها اختفت، ودور السينما أهملت، ولهذا بذلت الفرقة جهدًا استثنائيًا لتحويل قاعة الكنيسة إلى مسرح، بما في ذلك الإضاءة وأجهزة الصوت وغيرها، كما تحملت الفرقة التي تقود عملية إحياء المسرح والتمثيل، نفقات ترميم المبنى من الداخل جراء تضرره من الحرب الأخيرة.

الطاقم الذي يقوده مخرج متمكن، يؤكد أن اختيار المجلس التشريعي لعرض المسرحية، هدفه لفت أنظار المجتمع والحكومة إلى المواقع الأثرية للمدينة، كما أن العروض ستنقل خلال فترة عيد الأضحى إلى سينما “هريكن”، وهي معلم عدني مهم، فقد كانت أول دار سينما يتم افتتاحها في المدينة.