حديث السلام في اليمن: المسارات والممكنات

المبتدأ.. في الملف اليمني تم ابتذال كلمة السلام بكل معانيها السامية كقيمة.. وأصبحت الكلمة الأكثر شيوعًا في الخطاب السياسي اليمني من محترفي السياسة والإعلام ومن موظفي ومبعوثي الأمم المتحدة ودولها الكبرى.

الخبر.. تتمحور المبادرات المقدمة لحل الأزمة ووقف حرب اليمن، في ثلاثة مسارات، أو محاولات:

المسار الأول:

هو الأقدم لكن صلاحيته انتهت منذ زمن، ولعله ابتدأ منذ قرار مجلس الأمن 2216 الذي اعتمد على مخرجات الحوار والمبادرة الخليجية واتفاق الرياض أساسًا ومنطلقًا.

هذا المسار تتمسك به معظم مكونات الشرعية، وتتبناه “رسميًا” المملكة العربية السعودية، وهو ما أكد عليه بيان مؤتمر الرياض. ويتضمن هذا المسار وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين وانسحاب الحوثيّين وقواتهم من المدن وتسليم السلاح أو الثقيل منه للسلطة الشرعية، التي يتم التوافق عليها، وبحث طرق تنفيذ قرارات الأمم المتحددة المتعلقة باليمن.

لكن هذا المسار بدأ في الضمور شيئًا فشيئًا، مع إخفاق العمل العسكري للشرعية في مأرب وتعز، وذهب هذا المسار لصالح خيارات أخرى، ولن يستعيد عافيته إلا بعمل عسكري نوعي في مأرب نحو صنعاء أو الحديدة، وما لم يتم ذلك، فإن هذا المسار في حالة موت سريري طويل.

المسار الثاني:

يتمثل في وقف عمليات التحالف العربي وفتح المعابر الجوية والبحرية والبرية في اليمن ووقف القتال من جميع الأطراف وإعادة الحياة إلى طبيعتها، وتمخض لهذا المسار مجلس رئاسي توافقي سبقته حكومة المناصفة تمهيدًا لعبور مرحلة ثالثة بمشاركة الحوثيين، وهذا المسار صعب ويبدو طويلًا ومستحيلًا…

المسار الثالث:

هو الممكن حاليًا، وهو مسار التجميد عبر طريق الهدن، وهو مسار اللاحرب واللاسلم، لكنه الممكن السهل الذي يحتاجه الآن الجميع رغم تعثر هدنته الثالثة، ويدور حديث عن الاستئناف من جديد ربما في الشهرين القادمين، وكانت زيارة الوفد العماني لصنعاء تمهيدًا لذلك، وتقديم ترضيات للجماعة الحوثية من أجل الوصول للهدنة.

هذا المسار غير مجدٍ للشرعية، وليس له أثر ملموس على واقع الشعب اليمني، لكن الأمم المتحدة ومبعوثها تراه نجاحًا واختراقًا وتمهيدًا لعملية سلام قادمة، والحوثي يراه فرصة لانتزاع مكاسب دون مقابل وإعادة التعبئة وترتيب الصفوف، والشرعية تراه فرصة لأخذ والتقاط الأنفاس وترتيب دواليب الشرعية ومجلسها الرئاسي الغائب الرؤية حتى الآن.

 

الجملة:

من الواضح أن المسارات الثلاثة يفترق كل واحد منها عن الآخر منذ نقطة البداية، وأن كل مقترحات السلام الشامل حتى الآن عبارة عن مبادرات ملغومة تقدمت بها الولايات المتحدة أو بريطانيا أو مسقط وفق ما تريد وبما يحقق لها من مشتركات أو تبادل منافع مع إيران.

من الواضح اليوم أكثر من الأمس أن طريق المصالحة الوطنية والسلام ليس بالسهل، ولن يكون قريبًا، ذلك أن المليشيات الحوثية أقرب إلى العدمية السياسية والإيمان بالحرب لتحقيق الطموح الإيراني الطامح الجامح، كما أن المليشيات خرجت من كهفها وتذوقت عسيلة السلطة منفردة ولن ترضى بالشراكة وليس في صالحها الدولة.

كما أن الرهان على المجتمع الدولي في تحقيق السلام خاسر، فهو عادة مع من يصنع الوقائع على الأرض، ويضع ذلك نصب اعتباره. كما أن الجماعة الحوثية لا تشكل للغرب خطورة مؤكدة على الأقل من وجهة نظرهم.

في السياق نفسه، هناك وجهة نظر جديرة بالقراءة يطرحها البعض، وهي أن الغرب يريد الحفاظ على التنظيمات المتطرفة أو يقوم بصناعتها أحيانًا، وهو أمر يجب ألا يغيب عن متابعة الدارس لجوهر السياسة الأمريكية، التي تستثمر من خلال النزاعات الصغيرة التي تغذي شركات السلاح، ولها جدوى في مناورات السياسات مع الدول، هذا الأمر ليس متخيلًا، بل إنه في صلب النظرية السياسية الأمريكية التي صاغها كيسنجر منذ عقود.

 

خلاصة على سبيل الختم:

هناك ثلاثة مسارات للقضية اليمنية؛ اثنان منها لم يكتب لهما النجاح، لذلك تفتقت ذهنية المبعوث الأممي الجديد عن مسار جديد ثالث هو مسار الهدن الممددة، وهي حالة ترحيل للحرب وتثبيت الأمر الواقع وتأسيس لمناطق حكم ذاتي، وتم تسويق هذا المسار بغطاء إنساني وجمل حقوقية وإنسانية بالغة التأثير، لا يحتاجها الشعب اليمني، فهي جمل محنطة محفوظة باردة لا تقول شيئًا جديدًا أو نافعًا، من شاكلة “لا بد من معالجة الأزمة من منطلق المسؤولية الوطنية”، وعن طريق الحوار، و”السلام هو الخيار الوحيد”… الخ.

لم يعد في الوقت متسع لكل هذه الهرطقات، وليس أمام الشرعية سوى البحث عن خياراتها الخاصة في الوقت الذي تتعاطى فيه مع خيارات المبعوث الأممي والإقليم، ولعل أهم خيارات الشرعية تكمن في ثلاث نقاط أساسية ممكنة هي:

 

أولًا:

ميناء المخا بديلًا للحديدة، وتأهيله كي يتم فطم الحوثي ودفع الرواتب من الإيرادات، وذلك ليس مستحيلًا إذا توفر الدعم والإرادة والقرار.

ثانيًا:

التلويح بالانسحاب من “ستوكهولم” لأنه سقط واقعًا بعدم تطبيق بنوده، وجعل الحديدة خيارًا عسكريًا، لأنه أسهل من خيار صنعاء وأهم، ومن خلاله يمكن تغيير موازين القوى وصولًا إلى التفاوض من موقع أفضل.

ثالثًا:

التوجه لإعداد وحدات جيش نوعية، والاستعداد للحرب إذا كانت الشرعية تريد السلام.

هذه النقاط الثلاث هي خطوط عريضة لما يمكن عمله اليوم وليس غدًا، وهي مرحلة الممكنات حتى تفتح آفاقًا أخرى في ما يبدو في اللحظة الراهنة من المستحيلات، وهي كثيرة، لكن إذا اتسع الممكن قد ينفرج المستحيل.