ما بين خرقتين: الحجاب صنعاء 2011 – طهران 2022 – قراءة سيميولوجية (2)

حرق المقارم/الحجاب اليمن 2011 وإيران 2022
حرق المقارم/الحجاب اليمن 2011 وإيران 2022 (صورة مدمجة - النداء)

“يا رجال العز وأصحاب الشجاعة
يا مشايخ يا قبائل يا مراجع
اسمعوا بنت اليمن عبر الإذاعة
والفضائية وعيروها المسامع
جاءتكم تعمل بقدر الاستطاعة
ما لها حيلة سوى حرق البراقع
“بلقيس دحوان”، إحدى المشاركات في جمهرة إحراق المقارم، ثورة التغيير 2011
**

مشهدية حرق نساء إيران لأحجبتهن، وقص شعرهن، ” زن زندكَي آزادي -امرأة، حياة، حرية”، امتدت لتصبح ثورة ما بعد الحجاب: رفض الوصاية والمرجعيات الدينية والسياسية التي جعلت نساء إيران وشعبها يتلظون بالخوازيق الجهنمية لأردية القيامة منذ قيام ثورة الخميني (1979).
تداخل في ذهني ذلك المشهد مع حرق الأحجبة في اليمن إبان “الثورة” في ساحة التغيير 26/10/2011، حيث شاهدنا فرجة الآلاف من “الثائرات” اليمنيات، لـ”المنسقية العليا للثورة الشبابية” (حزب الإصلاح الإسلاموي) المتلطيات بالسواد الشرشف -الجلباب والنقاب، بينهن طفلات، مصحوبة بالشعارات واللافتات والهتافات، وكتل الحجاب/ المقارم، تحترق في دائرة نارية ظهر فيها التنديد بالصمت الدولي جراء جرائم صالح، ورفعت شعار “يا للعار، يا للعار، سلمية تضرب بالنار”، إلى ” يا للعار، يا للعار، حرائر اليمن تتهان”، الشيء المفارق، أن تتقدم موكب حرق الأحجبة وموكب نساء تعز، الأستاذة عبير أبو الأسرار، “مديرة مدرسة”، وهن يرمين الأحجبة إلى النار، ويرددن شعارات “يا للعار، علي يقتل الحرائر، أين النخوة يا رجال”، ولافتة كبيرة مكتوب عليها: “نداء من حرائر اليمن” “منسقية الشباب”، تتضمن التساؤل: “أين ضمير الإنسانية من قمع الثورة السلمية؟”، لماذا القتل؟ “بالسلمية بالقبلية الثورات العربية تنتصر”. وصدحت الزوامل التي تستدعي زامل القبائل الشهير: “إحنا لها، إحنا لها، إحنا خوات رجالها”. ووسط هتافات: قد أحرقنا المقارم، حرية، حرية، قل جاء الحق وزهق الباطل، غدًا ستحاكم يا قاتل”.
كان النشيد الجمهوري يصدح، أثناء قيامهن زرافات برمي عشرات المقارم الملونة في أتون النار المشتعلة، ويهتفن: “حرق المقارم واجب، واجب علينا واجب”، الذي جاء ليستحضر الشعار الشهير (1972)، أيام الجبهة القومية، أثناء الحكم الشمولي في جنوب اليمن، أثناء تظاهرات النساء وهتافهن آنذاك: “إحراق الشيذر واجب، واجب علينا واجب”، وما حدث في إيران أيام الشاه 8 يناير 1936، واستصدار قرار حضر الحجاب/ الشادور، فـ”الفرض والمنع” يتساوقان، في وأد الحريات.

(2)
سيميولوجيًا: الصورة اليمنية لمحرقة الحجاب (2011)، مغايرة شكلًا ومضمونًا لحرق الأحجبة في إيران (2022)، فالأولى، انطوت على استدعاء موروث الفزعة القبيلة بكل قوة، أو يطلق عليه في أعراف القبيلة “النكف”، الذي يعد التقاعس عنه “عيبًا أسود”، فأطلقت صرخة “واقبيلتاه”، على وزن “وامعتصماه”.
في التظاهرة جندت واستدعيت المفردات القبلية والدينية، وخلعت الألقاب على المحتجات اللواتي قمن بإحراق المقارم، “الثائرات/ المؤمنات/ الطاهرات”، تبعًا لنشيد تحية “حرائر اليمن”: “حيوا حشود الثائرات المؤمنات الطاهرات”.
في السياق نفسه، حملت الصورة إيحاءات ودلالات أثناء عملية حرق المقارم، فقد شكل اللهب انعكاس صورتهن فيه، وكأنهن هن من يحترقن ويحرقن أنفسهن، ومعهن حرق النساء المختلفات ذوات الأحجبة الملونة التي كرعت لموقد النيران في شارع الستين، المجاور لجامعة صنعاء “ساحة التغيير”.
كانت صورة الأحجبة الملونة لكاشفات الوجه، تحترق في “تنور” الثورة، تنور القبيلة والمنع، والشرف والنخوة والعار والعيب الأسود… الخ من موروث القبيلة، فما قاله الشيخ والجنرال، والفقيه سبر. فـ”النعم، و”اللا” لا تخرجان عما ينطقون به.
المعروف أن ذوات الوجوه المكشوفة ينتمين، في الغالب، إلى تعز، وعدن وتهامة، فضلًا عن الريفيات، ويندر ذلك في المناطق الشمالية ذات البنية القبلية المتشددة، التي تحتم على الطفلات السترة الكاملة، بما في ذلك للوجه والكفين والجسد، بالنقاب/ الشرشف، من الرأس إلى أخمص قدميهن، كما هو بادٍ في الصورة، إذ يُعتبر “الشرشف” ركنًا أساسيًا لشرف المرأة، وجزءًا لا يتجزأ من شرف القبيلة، بل يعد أحد أركان هوية المرأة اليمنية العفيفة الطاهرة والمؤمنة.

إحراق مقارم في اليمن
إحراق مقارم في اليمن (أرشيف)

والشاهد على ذلك أن فكرة إحراق المقارم أتت باسم نساء تعز، وترأست المشهد إحدى الناشطات من تعز، و”كوكتيل نسوي من تعز قائدات، وخطيبات، وفاعلات في التظاهرة”، وكما هو معروف بأن البنية القبلية وشوكتها العصبية ليست قوية هناك، بقدر ما جرت عملية إنعاشها مع صعود تيار الإخوان المسلمين، وحرص نظام صالح على ضرب مدنية تعز وغيرها بصناعة المشيخيات، وإلحاق المدن بكعب القبيلة. فدلالة الملون المحترق، لسيادة الأسود “المغلمق”/ المغلق، فاللونان الأحمر والبرتقالي المنبثقان من ألسنة اللهب، كانا يستصرخان مقتلة الألوان والوجه المفتوح، أمام السواد المقدس، كما أن استدعاء القبيلة يتجانس مع الأسود/ العيب إن لم تكن الحامية له فحسب، بل والمنتجة له.

(3)
الواضح أن الصورتين في اليمن وإيران تتناقضان، وإن تشابهتا في فعل الحرق، فمقارمنا المحترقة، بدت مثقلة بمدلولات أيديولوجية، وعرفية ودينية، وسياسية، وتاريخية، طافحة بالبدائية: “وامعتصماه”، و”يالقبائل، ويالمراجع”.

حرق الحجاب في احتجاجات إيران
حرق الحجاب في احتجاجات إيران (شبكات تواصل)

بينما حملت صور الإيرانيات، وسط كتل اللهب: الرقص والأغاني الثورية والهتافات، بمساعدة الشباب، وخلع أحجبتهن للنيران (وهذا مجرم في اليمن)، ولأول مرة منذ انقلاب الخميني (1979)، تتنفس رؤوسهن وأجسادهن، ورئاتهن، ويقلن للعالم: نحن هنا، تسقط المرجعيات وآيات الله، والرقيب الأعمى، ومعهم أيقونة “تصدير الثورة” الخمينية.

أما نساء ثورة 2011 فكن متشحات بالسواد. فالفرجة السيميولوجية للعملين المشهديين في إيران واليمن، لحرق خرق/ أحجبة، تتناقض تمامًا: استدعاء القبيلة والمرجعيات “المعصومية، واللحوم المسمومة”، التي هي جزء من بنية النظام.
فالمرأة في العقل الجمعي، هي “الضلع الأعوج”، و”العورة”، و”ما مرة تشخ من طاقة”، و”المرأة شيطان إن أقبلت وإن أدبرت”، وقد تكرس ذلك من قبل نساء “الثورة”.
أما في إيران، فقد تحولت احتجاجات النساء وحرق الأحجبة إلى ثورة لإسقاط المرجعيات ومنظومتها الرجعية بكاملها (الملالي)، فلا انتقائية.
نقطة أخرى في الحدثين.. في اليمن كانت الانتقائية صارخة، فهن مع الأحزاب التي قامت بفعل الاحتجاج، وجلها كان يشكل لُحمة النظام قبل أن تتصارع المصالح وتطفح مسألة التوريث على السطح.في السياق، تحضرني تظاهرة حشود النساء المجلببات حاملات المصاحف اللواتي أنزلهن عبدالمجيد الزنداني، أحد المطلوبين دوليًا باسم الإرهاب، إلى ساحة البرلمان، في مارس 2010، ليعترضن على تحديد سن الزواج بـ18عامًا، وكن يحملن مليون توقيع للرفض، وأنها مؤامرة على الشريعة الإسلامية، ومؤامرة خارجية من قبل نساء يتبعن السفارات الأجنبية: إنهن نساء المرجعيات ذاتها، فهن من لعب دور البطولة في محرقة الأحجبة واستدعاء النكف القبلي، وهن من يشجع على زواج الصغيرات ومصادرة حياة المرأة تبعًا لمنطق سلطة: يالمراجع يالقبائل.
تتساوى في ذلك كل الحشود النسائية التي توزعت بين الثورة والثورة المضادة 60×70.
أخيرًا:
نحن بإزاء محرقتين إحداهما في اليمن لتثبيت التابو “يالمراجع”، استخدمت فيها الخرقة استخدامًا دينيًا وقبليًا وسياسيًا، وعلى الضد من ذلك، جاءت احتجاجات نساء إيران لتكسر التابو “وإسقاط منظومة المراجع”/ الإكليروس والباسيج، وتحطيم صنميات القداسة. في إيران النساء أسقطن الفتوى حتى ولو أتت في هيئة نصوص مقدسة، بينما في اليمن تحيا الفتوى وتحرسها وتدافع عنها نساء المقارم -الثورة.

ما بين خرقتين: الحجاب – صنعاء 2011 – طهران 2022.. قراءة سيميولوجية (1)