جبن… مدينة الملوك حضارة آيلة للاندثار – فؤاد مسعد

جبن… مدينة الملوك حضارة آيلة للاندثار – فؤاد مسعد

أواخر الشهر الماضي وعقب التفجير الانتحاري الذي استهدف السفارة الأمريكية بصنعاء تكرر ذكر اسم مديرية جبن، وأفردت لها مساحات واسعة جعلتها تتصدر معظم الصحف المحلية وبعض الصحف الأجنبية، لاسيما الأمريكية منها وذلك بسبب انتماء اثنين من ضحايا الحادثة للمديرية، وهما عبد الجليل الجبري وزوجته سوسن البناء بعد أقل من شهر من زواجهما، كما أنها المديرية نفسها التي ينتمي إليها الشاب جبر البناء أحد المطلوبين للإدارة الأمريكية التي تتهمه بالارتباط بتنظيم القاعدة والتخطيط لعدد من العمليات التي تستهدف المصالح الأمريكية.
جبن التي عرفت بأنها من أهم المناطق اليمنية وأقدمها من حيث كثرة المغتربين من أبنائها الموزعين على دول الخليج والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، حيث تشكل نسبة الاغتراب والهجرة الخارجية في أوساط السكان أكثر من 45% من مجموع السكان الأصليين، يتوزعون في بلدان عربية وأجنبية، منهم حوالي 70% تقريبا مغتربون في الولايات المتحدة الأمريكية، وحوالي 20% تقريبا في دول الخليج العربي، و6% في دول أوروبا (فرنسا وبريطانيا)، و4% في ماليزيا واندونيسيا، وهجرتهم إلى بعض هذه الدول قديمة، حتى أن أغلبهم يتمتعون بجنسيات دول الاغتراب وأهمها الجنسية الأمريكية والبريطانية. أما بالنسبة إلى عملية الهجرة الداخلية لسكان المديرية فالنسبة قليلة، وإذا كانت فإلى العاصمة صنعاء، أو عواصم بعض المحافظات، وهناك أيضا نسبة عالية من الهجرة الداخلية تتوجه إلى مديرية جبن من مختلف محافظات الجمهورية بهدف البحث عن فرص عمل.
قديما عُرفت جبن كعاصمة للدولة الطاهرية، وما تزال شواهد التاريخ باقية وآثاره حاضرة تحكي مرحلة من مراحل التاريخ اليمني وواحدة من أهم الدول التي قامت فيه قبل ستمائة سنة. إنها مدينة جبن التي تحيط بها الجبال إحاطة السوار بالمعصم، وتسمى “مدينة الجبلين” إشارة إلى الجبلين الكبيرين الذين يحتضنان المدينة. جبن الجوهرة المغيبة والتاريخ المنسي والحاضر المهمل. جبن المتناقضات من مضحكات ومبكيات، الغربة والجهل، الجبال الجرداء والوديان الخضراء، العمارات والفلل الفاخرة، والتخطيط السيئ والشوارع الضيقة والمهملة على حد سواء… وتبلغ مساحتها 1250 كم2، وعدد سكانها يزيد عن ستين ألف نسمة. ومن حيث مساحتها الجغرافية فهي تشكل ثلث محافظة الضالع، تتوزع على ست عزل رئيسية، وما يزيد عن ستين قرية. يحدها من الشمال رداع محافظة البيضاء، ومن الجنوب الشعيب ويافع، ومن الشرق البيضاء، ومن الغرب دمت.
تتميز مديرية جبن بمناخها الطبيعي المعتدل، وهطول الأمطار عليها في مواسم متعددة، وتختزن مديرية جبن كثيراً من المواقع والمناطق السياحية والأثرية.
مديرية جبن التاريخية كانت تتبع إداريا محافظة البيضاء، وبعد صدور القرار الجمهوري رقم 23 لعام 1998 القاضي بإنشاء محافظة الضالع من عدد من المديريات صارت ضمن مديريات الضالع التسع وتعد أكبرها مساحة وأغناها بالمعالم الأثرية والتاريخية، فقد كانت عاصمة الدولة الطاهرية التي حكمت بعد دولة بني رسول ومن أشهر ملوكها السلطان عامر بن عبد الوهاب، ويطلق عليها “مدينة الملوكـ” نسبة إلى كثرة الملوك الذين سكنوا وعاشوا فيها وحكموا منها، وكان آخرهم  ملوك الدولة الطاهرية التي حكمت اليمن للفترة 758-923ه، 1454-1517م،وكانت مدينة جبن مسقط رؤوسهم، وعاصمة لهم، ومقراً لدولتهم.
المعالم الأثرية الموجودة حالياً في مدينة جبن، وبعض القرى التابعة لها، كالمقرانة (مركز القيادة العسكرية للدولة الطاهرية)، لا تزال شاهداً ودليلاً على أن جبن قديما كانت تمثل مركزاً هاماً، وموقعاً جغرافياً استراتيجيا، وممرا يربط بين الشمال والجنوب في عهود الدول اليمنية القديمة (الحميرية والسبئية)، ويتبين ذلك من خلال عدد من  نقوش وآثار حميرية لا تزال موجودة بالإضافة إلى مرابط الخيل في “المصنعة” (لا تزال تسمى “المصنعة الحميرية”) والقصر الموجود على سطح جبل “هران” نسبة إلى اسم أحد ملوك دولة حِمْيَر، والمعروف أنه كان يوجد ممر على شكل نفق من وسط القصر القابع فوق الجبل يوصله بالبئر الموجودة في الوادي الذي يقع أسفل الجبل، ولا تزال بقايا معالمها شاهد عيان تدل على عراقة مدينة لها حضارتها الضاربة في أعماق التاريخ، والتي تشهد على مآثر الدولة الطاهرية وتفردها في إرساء حضارة عظيمة في ذلك الزمن، وامتازت  بالحصون والقلاع والجسور المنتشرة في عموم البلد، بعضها تعرض للضياع نتيجة الإهمال، وما تبقى على وشك الاندثار والضياع، حسب ما ذكر الأستاذ عبدالله شريف مدير إدارة الأوقاف بالمديرية. وعلاوة على دورها كعاصمة للدولة الطاهرية فقد كانت من أهم محطات التنقل قي الدولة الحميرية خصوصا تلك القوافل التي كانت تأتي من العاصمة الحميرية (ظفار) الواقعة إلى الشمال من مدينة جبن.
أما المعالم الحضارية والتاريخية التي تعود إلى عهد الدولة الطاهرية وحقبة حكم آل طاهر، فإن أضرحة ملوك وأمراء الطاهريين باقية في وسط مدينة جبن، بالإضافة إلى المدرسة المنصورية (عامرية جبن) التي يعود بناؤها إلى عهد السلطان عامر بن عبدالوهاب، آخر ملوك الدولة الطاهرية. وهناك أعداد كثيرة من “المواجلـ” (خزانات المياه) التاريخية التي يعود تاريخ حفرها إلى عهود قديمة، منها ما هو في عهد الدولة الحميرية والسبئية، ومنها ما تم بناؤه في عهد الدولة الطاهرية، وتوجد هذه الآثار في مناطق ومواقع مختلفة على سفوح ووسط الجبال، وفي التلال القريبة من الوديان الزراعية. كذلك فإن العيون المائية التي تشكل عيونا جارية، موجودة في أماكن عدة بمديرية جبن… المدرسة المنصورية بجبن على سبيل المثال والغيل الذي ما زالت المياه تتدفق منه الموجود في “وادي يَهَر” شمال مدينة جبن والذي يسمى “شِعب الغيلـ” ونسبة المياه الكثيرة التي يتم استخدامها للشرب وزراعة الوادي المحيط بهذا الغيل.
 
أهم الآثار التاريخية في جبن
قلعة جبن
قلعة قرين
المقرانة
وادي شعب الغيل
علم طاهر
المدرسة العامرية
يقول غالب واصل –ماجستير تاريخ جامعة صنعاء– إن جبن كانت عاصمة سياسية للدولة الطاهرية واستمرت عقودا طويلة بينما كانت المقرانة حامية عسكرية للدولة ولم تكن عاصمة كما تروي بعض المراجع التاريخية التي اعتقدت أن المقرانة هي العاصمة السياسية للدولة. وأضاف أنها (المقرانة) بحكم موقعها المرتفع اهتم بها ملوك بني طاهر ووضعوا فيها عتادهم العسكري والحربي لحماية الدولة وعاصمتها جبن التي شيدوا بها المدارس والمساجد والمعالم التي لا يزال بعضها باقيا حتى اليوم.
 
استحداثات
يشكو الأهالي من استحداث أعمال جديدة على أنقاض المعالم التاريخية، والقيام بترميمات حديثة على العامرية وجامعها القديم ما أدى إلى مسخ تلك المعالم وشوهها، مثل استحداث شبابيك وأبواب جديدة، بعد أن تعرضت الشبابيك والأبواب الخشبية لحوادث سرقة من قبل مافيا الآثار، أو استحداث مبانٍ جديدة لحمامات الوضوء ولغرف دارسي القرآن، فيما الحمامات القديمة تحولت لمقالب للنفايات ومخلفات القمامة! يتحدث أبناء جبن عن اعتداء متنفذين على الساقية التي كانت تمد العامرية وجامعها القديم بالمياه، لبناء مسلخ، واعتداء آخرين على طول المساحة التي تقع بين العامرية وجامعها، مما سد الطرق بين المعلمين.

وأخيراً
يتساءل أبناء جبن: متى ستجد هذه المدينة الاهتمام الملموس، والنظرة الثاقبة لما تمثله من أهمية تاريخية؟! وهل تتلقى الرعاية الضرورية للحفاظ عليها وصيانة ما تبقى من تلك المعالم التاريخية والآثار الحضارية الموجودة في مديرية جبن؟ وهل ستلقى التعاون المثمر في توثيق وحفظ الموروث الشعبي والفلكلور الفني الخاص بها من قبل الجهات المسؤولة، سواءً على المستوى الرسمي أم المنظمات والمؤسسات الشعبية التي لها علاقة بهذا الجانب؟ وهل ستلقى مديرية جبن اللفتة الواعية والمنصفة لإدراجها ضمن المدن اليمنية التاريخية والسياحية!؟… يؤمل البعض ويتفاءلون بذلك ويعولون على من بيدهم زمام الأمر في السلطة.