في سيلة الشيخ عثمان بمحافظة عدن.. أكواخ الفقراء تتوارى عن الأنظار خلف الأحياء التجارية الفاخرة!! – محبوب عبدالعزيز

في سيلة الشيخ عثمان بمحافظة عدن.. أكواخ الفقراء تتوارى عن الأنظار خلف الأحياء التجارية الفاخرة!! – محبوب عبدالعزيز

كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة صباحاً حين بدأنا خطواتنا الأولى باتجاه منطقة السيلة في الشيخ عثمان بمحافظة عدن. الشمس ملتهبة في كبد السماء وأشعتها المرسلة إلى الأرض تحرق الأجساد، وتجعل العرق يتصبب من أعلى الرأس إلى أخمص. القدمين، المهمة التي أُرسلنا لأجلها إلى هذه المنطقة، كانت تستدعي أن نقوم بجولة شاملة فيها نتعرف من خلالها على واقعها، وبشكل خاص الأحياء المتوارية عن الأنظار  لأنها اصبحت محجوبة بالابنية الاسمنتية العملاقة والمحلات التجارية الفاخرة، والمستودعات الضخمة التي تحوي بداخلها كل ما يحتاجه الانسان من مواد غذائية، استهلاكية، كماليات، بل إن محلات منطقة السيلة تعد الممون الرئيسي لمحلات التجزئة، باعتبارها مجمعاً متكاملاً للمستلزمات التجارية والبضائع بمختلف أنواعها.

خطوات متثاقلة
 عند مفرق محطة الباصات توقفت أقدامنا لنتطلع إلى ما حولنا من مشاهد متباينة ومفارقات عجيبة: على مرمى البصر تقع منطقة السيلة، أو بالأصح المدخل الشرقي لها المؤدي إلى منطقة الممدارة الشعبية، إحدى أكثر المناطق معاناة مع الخدمات المرتبطة بالبنية التحتية، توقفنا قليلاً لنسأل احد المارة عن مساكن حي السيلة لأننا في الحقيقة لم يسبق لنا أن زرناها من قبل في مهمة صحفية. أشار لنا ذلك الرجل إلى خلف ظهره فكانت وجهتنا الاولى وأولى المشاهد التي استوقفتنا، كانت محلات بيع الفحم قال أحد أصحابها إن الاخشاب تأتي من أشجار السُّمر في شقرة بمحافظة أبين ويشتري بسعر الحمولة بقيمة 30 ألف ريال. وبعد إحراقه وتجهيزه لمدة ثلاثة أيام يتحول إلى فحم صناعي وتباع الحمولة ب45 ألف ريال، أي بربح مقداره 10 آلاف ريال، تذهب كمصروفات وأجور للعمال. وتمون هذه المحلات المتاجر والبقالات بمادة الفحم، كما تبيع مباشرة للمواطن بسعر التجزئة 20-50 ريال للكيس الواحد. إنها بالفعل مهنة شاقة ومجهدة.
واصلنا السير بخطوات متثاقلة إلى الأحياء الداخلية على طرق وشوارع ترابية تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط ويبدو أنها لم تعرف السفلتة يوماً قط، بدأت تظهر أمامنا أكواخ الصفيح والصنادق الخشبية والبيوت البسيطة المتواضعة من البردين الخفيف والمبنية بطريقة غير سليمة. ونستطيع القول أن اللمسات الهندسية غير ظاهرة على هذه الابنية الداخلية إلى الحد الذي أصبحت بعض الممرات مغلقة ولا تسمح بمرور أصفر أنواع السيارات. وبالكاد يمر منها البشر, وهو وضع ينذر بوقوع كارثة في حالة حدوث أبسط حريق!!
 
شقاء الاطفال
ولم نكد نستفيق من منظر الأكواخ ومنازل الصفيح الصدئة حتى ظهر أمامنا طفل صغير لم يتجاوز العاشرة من عمره يحمل على ظهره شوالاً كبيراً أضعاف جسده النحيل سألناه: ما هذا؟ فقال انها عبوات بلاستيكية فارغة أجمعها من القمامات والحواري الداخلية وأقوم ببيعها بأبخس الأثمان، حتى أستطيع أن أحصل على المال من عرق جبيني، وأسد رمقي وأعيل أسرتي، وليس لنا مصدر دخل يغنينا عن هذا العمل!
وفي موقع آخر كان مجموعة من الاطفال يبحثون بين حافظات وبراميل القمامة عن اي شيء يمكن الاستفادة منه وبيعه في سوق الخردة لكسب المال وشراء الطعام،، الفقر وحده هو من دفعهم إلى هذه الذبالات التي هي مصدر الأوبئة والامراض.
وعلى نفس الصعيد يعتبر الجانب البيئي والاوضاع الصحية في المناطق الشعبية والأحياء الداخلية لضواحي عدن من أسوأ ما يكون؛ ففيها تكثر مشاهد طفح المجاري من «البيارات» كعدم وجود شبكة صرف صحي، وفيها تتسرب المياه من العدادات حتى تتحول إلى مستنقعات وبرك آسنة لتوالد البعوض والحشرات.
وبينما كنا نصول ونجول في أحياء منطقة السيلة، ظهر علينا رجل في منتصف العقد السابع ويدعى عبدالله حسين المسيحي، كان يحمل بيده معلفاً مليئاً بالأوراق وبمجرد أن عرف اننا صحفيون، سلمنا ورقة، هي عبارة عن شكوى موجهة إلى محافظ عدن أحمد الكحلاني من قيام البعض بمحاولات البسط على موقع مخصص لرمي وجمع القمامة ومحاط بالأكواخ الخشبية التي أصبحت ملاصقة له، حتى طمع أحد أصحاب هذه الاكواخ وهو من حمران العيون بموقع القمامة ويسعى للاستيلاء عليه؟! يا ساتر هذه القمامات لم تسلم من الاطماع!
الا يكفي انها تبقى مبعثرة احياناً لأيام قبل ان تصل إليها سيارات وعمال جمع القمامة يقول المسيحي: إن كل المناشدات السابقة لم تنفع، والأمل معقود على المأمور الجديد.. وقبل أن ننهي توغلنا الى الجزء الشرقي من السيلة ولمحنا عدداً من المحلات التي لم يكتمل بناؤها وعرفنا من بعض الناس أنها جزء من مشروع سوق السيلة العام الذي توقف العمل فيه. لماذا ولمصلحة من!؟ لا نعرف.
 
بشارة خير
خلف الاكواخ المهترئة والبيوت الخشبية ومخلفات البناء ارتفع بنيان حديث تحيط به العشوائية إحاطة السوار بالمعصم ولم تبق له إلا طريق ترابي واحد يؤدي إلي هذا البناء الكبير الذي كتب عليه «مدرسة المصوم للتعليم الأساسي» وكانت هذه بشارة خير أن وصلت المرافق التعليمية إلى هذه المنطقة بعد سنوات طويلة من الحرمان ويبقى الحفاظ عليها هو الأهم!
نحن الآن في حي السيسبان كما أوضح لنا الأطفال الذين كانوا يقفون امام إحدى البقالات الصغيرة، أحدهم يشتري رأسي ثوم، والأخرى تشتري فصيل بصل، وثالث كيس برد أو (ثلج)، ورابع زيت، وكالة بعشرة ريالات. يا بلاشاه!! لا يستطيع سكان هذه المناطق شراء مستلزمات الطعام والخضروات إلا على قدر ضيق جداً وبصورة يومية والسبب في ذلك يعود إلى الفقر الذي يعيشون فيه. يقول صاحب البقالة: نبيع كل شيء بالتجزئة إلى درجة أن البعض يشتري الحاجة بخمسة ريال وبعضهم «كلع» يعني بالدين الآجل إلى آخر الشهر. صاحب بقالة أخرى قال كلاماً اقشعرت له الابدان «الله يعين الناس على الغلاء».
صدق، والله، فالغلاء أكل الأخضر واليابس ولم يستطع موظفو الدولة مجاراته، فكيف بمن ليس لديهم مصدر دخل ويعيشون على باب الله، هنا استوقفني عدد من المواطنين، قال أحدهم إن المعاناة اليومية هي من الخدمات فالمياه ضعيفة، الكهرباء دائمة الانقطاع، والطرق غير مسفلتة، والناس يعيشون في وضع بائس وصعب.
 
الوجه الآخر
غادرنا هذه الأحياء الفقيرة لنخرج إلى الشارع العام، كانت المفارقة عجيبة، محلات فاخرة وأبنية شاهقة وتخطيط وطرق، وكل مقومات الحداثة والحضرية. تصوروا خلف هذه الابنية الضخمة والحديثة التي تعود للأغنياء، تتوارى أحياء الفقراء!
أين العدالة في منح المواطن كل أسباب الرفاهية والعيش الكريم!
لماذا الاهتمام مقصور على الشوارع الخارجية ولم تمتد يد العناية إلى ما وراء تلك المحلات التي تبيع كل احتياجات العيش من مواد غذائية ومستلزمات ديكورات وقطع غيار السيارات وأدوات بناء بالجملة والتجزئة!؟
نحن لم نهدف من وراء هذا الاستطلاع تجريح أحد أو إلقاء التهم على الجهات ذات العلاقة، ولكنها فقط الامانة الصحفية التي دعتنا إلى تسليط الضوء على أوضاع الاحياء الداخلية والمناطق الفقيرة في عدن التي يتدنى فيها المستوى المعيشي لمن يقطن فيها، لعل وعسى أن تتحرك القلوب وتتوجه الاهتمامات اليهم لتمتد يد العو والرحمة وتنتشلهم من هذا الوضع المزري. فالكل سواسية في المواطنة ومن حق كل انسان أن يتمتع بخيرات الوطن ويعود عليه بالنفع ويستطيع ان يؤمن في بيته احتياجات المعيشة ولو في أضيق حدودها.