رغم أنهم لا تنقصهم المساجلات.. هل يحوِّل اليمنيون مؤشرات صندوق السلام العالمي إلى نقض غزل.. كما فعلوا مع الألفية؟

رغم أنهم لا تنقصهم المساجلات.. هل يحوِّل اليمنيون مؤشرات صندوق السلام العالمي إلى نقض غزل.. كما فعلوا مع الألفية؟ – نبيل الصوفي

هذا الأسبوع أصدر صندوق السلام العالمي تقريره السنوي عن مهددات السلام في العالم. الصندوق لا يتعاطى مع الأفكار والأفراد، إلا بوصفها تفاعلات مع أخريات داخل دول؛ فهو يعنى بوحدة الدولة كـ”محدد للسلام العالمي”، ويؤكد أن الدول، كل الدول، هي التي تحدد حال العالم ومستقبله. لذا يضع سنويا تقريره عن أحوال غالب الدول ضمن أربع مكونات رئيسة: خطرة الأوضاع، مهددة بالخطر، عادية، متماسكة (لا أدري إن كانت الألفاظ دقيقة).
وباستثناء دول الخليج، التي تجمع الثروة الطائلة، وقلة السكان بحيث يصبح الحديث عن مطالب اجتماعية أو سياسية –كمصادر للقلق أو للبحث عن حكم رشيد- غير ذي استقطاب، فإن كل العالم العربي يتزاحم على جداول الصندوق الذي يطالب العالم بمزيد من “بوابير الإسعاف” لتجنيب بورصة الدنيا “شرور العربـ”.
اليمن ومنذ دخلت جداول الصندوق قبل ثلاثة أعوام، تحسنت مؤشراتها “قليلا”. وأعتقد أن الانفتاح الاجتماعي، وهشاشة المعايير في اليمن مصدر كبير لإرباك معايير البحث لدى مثل هذه المنظمات، التي عليها كل عام اكتشاف أن اليمن ليست بالضبط كما صورتها العام الذي قبله، سواء في تجميع مؤشرات التحسن أم السوء.
توقعي الشخصي أن يتجه كل طرف سياسي، للمربع الذي يساند خطابه، حيث لن تعدم السلطة معطيات في التقرير تستحق الاحتفاء بها باعتبارها شهادات عابرة للقارات على تقدم “السلطة”. ومثلها لن تعدم المعارضة “مؤشرات” تضيفها إلى مقطورة خطابها عن “النظام الأرعن” (تخيلوا! هذا خطاب سياسي يروم تحقيق توزانات قاعدية لانتخابات قادمة!!).
لذلك فلن أخوض في تحليل نتائج المؤشرات، بل سأستغلها فرصة لتذكير الفاعلين السياسيين في اليمن، بأن هذا الصندوق ومثله تماما هيئة تحدي الألفية يوفران قاعدة ممتازة للعمل وإعادة القضايا والتمحورات حولها.
ليس مهما حصول اليمن على 93، أو 10، من الدرجات، بل المهم هو هذه المعايير التي تنتج هذه المؤشرات. المنظمتان وبوصفهما أداتين حديثتين للتحليل، تعتمدان خلاصة التجربة الإنسانية في بناء الدول، وتقميان -من ثم- الحركة حول هذه المؤشرات. مثلا صراع النخب، أو طول البقاء في المنصب، أو الهجرة، أو موضوع المناقصات وأدوات الخدمة العامة والاستثمار في الشعب… آليات اتخاذ القرارات، العلاقة بين عوامل القوة وتحديات استخدامها، وكثير كثير من معايير بناء الدول.
هما –ككل المنظمات المماثلة- لم تخترعا هذه المعايير، لكنهما –كغيرهما ايضا- تطبقان المعايير على دول العالم، ولذا فإنهما يستحقان الشكر والتقدير على أنهما بذلتا جهدا خارقا في تطبيق المعايير على دول عديدة حول العالم، اليمن منها. ومن هنا أتاحتا لنا كيمنيين رؤية الاختلالات الحقيقية التي تصنع لنا المعاناة، أو الصورة الكاملة عن توجهنا: ناخبين ومنتخبين، حزبيين ومستقلين، أغنياء وفقراء، عساكر ومدنيين، حكاما ومحكومين.
وفي المقابل، التحديات التي بتجاوزها صارت هولندا في وضعها، وتجاوزت شنغهاي صعوباتها. ومعها الفرص التي لم تستخدم حتى الآن.
يمكن للقارئ أن يرد عليَّ بسهولة بأننا جميعا نعرف كل ذلك. وليسمح لي هنا أن أقول له: أنا لا أتحدث عن المعرفة الفردية، فهذه مسألة ليست عويصة، ولكني أتحدث عن الخطاب العام، والقرار العام، والفعل العام.
في الانتخابات مثلا –وأيا ما يكن من نقد مستحق- فإن الخطاب السياسيي اليمني (الذي يمثله كل المتنافسين) يتمحور حول قضايا مهما قيل عنها فإنها تظل مهاما وحاجات جيدة، ومطلوبة. ولكن ماذا بعد انقضاء الانتخابات؟ من يذكر نقاشا حزبيا بشأن قضية كالإيرادات العامة، أو الإنفاق العام. لا أتحدث هنا عن الخطاب الناقد للآخر: السلطة للمعارضة أو العكس، بل أتحدث عن نقاش اعتيادي يجعل اليمنيين يفكرون وينقسمون من ثم حول آراء شتى، لكنها جميعا ستفعل لدينا الاهتمام بالإيراد، بالإنفاق، بترتيب المالية العامة، وسيفضي النقاش إلى استثمار سياسي للجدل؛ إذ وإذا لم تتمكن السلطة من تحقيق الأفضل فإن المعارضة ستحظى بالتفاف شعبي لدعم خياراتها تجاه الإيرادات العامة دون الحاجة لخطابات عقيمة مكرورة عن الاستبداد الحاكم، والنظام الفاسد والاصلاح السياسي.
الأمر ذاته تجاه قضايا من قبيل: العمل الحزبي، الديمقراطية كآلية رشيدة لتجنب الصراعات، الفئات العمرية، الوظائف المختلفة، المشكلات الاجتماعية، البطالة، احتياجات سوق العمل، وضع القطاع الخاص.
من أساسه ماذا يعني العمل الحزبي لليمنيين؟ بالأصح ما هي احتياجات هذا العمل ليعني لليمنيين شيئا مذكورا كما هو بالنسبة لقرنائهم، لن نقول في أميركا، ولكن لنقل في كينيا أو جنوب أفريقيا مثلا؟
تحدث صندوق السلام عن “الهجرة” باعتبارها أحد المؤشرات على سوء مستقبل الدولة المهاجر منها، وهذه المرة الأولى التي أنتبه شخصيا لمعنى مختلف عن ما كان لديَّ تجاه ذلك الأمر. وبغض النظر عن رؤية اليمني للأمر، فكيف ترى الدولة أو الأحزاب هذا الأمر؟ وكيف يمكننا التمحور حول آراء لتكن حتى متناقضة ولكنها تهتم بالهجرة كمؤشر على وضع الدولة الحديثة أو حتى على أحد مواردها؟
هذه الضجة المتصاعدة عن حرية التعبير، باستثناء كونها طريقة يقف فيها الحزبي المعارض على ظهر الصحفي من أجل أن يصرخ في وجه الحاكم: ماذا تحمل من فرص؟ وكيف يمكن نقلها خطوة للأمام؟
كي لا نخوض في جدل، رغم أن الجدل كله خير، فأكتفي بالإشارة إلى أن الصندوق والهيئة في مرجعياتهما كل ما نحتاجه للخروج من خطاب السوق القديم الذي لم يعد يسعنا ولا عدنا نسكن فيه.
وقبل أن نتناوش بها سلطة ومعارضة، ما رأيكم لو أن كل مربع جرب اختبار نفسه هو وقناعاته وبرامجه وخطابه ومدى استيعابها وتركيزها على هذه القضايا، وتسابقنا –من ثم- في إعادة ترتيب أوراقنا واتفاقاتنا واختلافاتنا على هذه القضايا الجزئية التي هي الطريق إلى وضع مختلف، ليس لأنها قادمة من مؤسسات أميركية، بل لأن كل دول العالم ومجتمعاته بنت تحولاتها على ظهر هذه الترتيبات.
وبالتأكيد أن سباقا مع السلطة حول قضايا من قبيل تغليب التحليل الاجتماعي للمشكلات بدلا من استغلالها سياسيا أو مواجهتها أمنيا، أو حتى من قبيل تبني مطالب أطفال المدارس الخاصة في صنعاء، ومشكلات الصيد في حضرموت، وتعليم المرأة في لحج، وأبناء مرافقي المشائخ في عمران، والمجتمع العسكري في المحويت… وآلاف القضايا، سيكون أثمر للمعارضة من السباق حول أي قضايا نظرية من قبيل الاصلاح الدستوري، أو إعادة ترتيب النظام السياسي.
وقبل ذلك وبعده، يأتي المجتمع المحلي (لا أتحدث عن الحكم المحلي، بل فقط المجتمع المحلي) الذي كلما أثقلته الحياة بالمشكلات ضاق بخطاب السياسيين مهما كان معبرا عن مأساته، ولجأ لأدوات وفرص صغيرة وصغيرة جدا يتحايل بها على مزيد من الاختناق ولو على ظهر عربية لبيع الطماطم (لقد بدأ الريف اليمني يعود للباعة المتجولين الذين يناضلون سياسيا سيرا على الأقدام أو ركوبا على حمار إلى حيث تحل المشكلة المباشرة لهم ولأسرهم على انتظار “الثورة” التي سيكونون هم أول ضحاياها مهما قيل من جمل إنشائية).
خلاصة القول: تحدث الصندوق عن صراع النخبة، وعن النمو السكاني، كتحديات. ما رأيكم لو فكر كل منا بالأمر باعتباره حاكما، سواء لتحفيز الحاكم، أو للسعي الحقيقي للجلوس بدلا منه!!؟
nbil21972@hotmail.com