حراسة الجدوى بالمصداقية والاستمرار.. «المعسرون».. إنجاز لصحافة انحازت للحقوق والناس

حراسة الجدوى بالمصداقية والاستمرار.. «المعسرون».. إنجاز لصحافة انحازت للحقوق والناس – ماجد المذحجي

أقع شخصياً في فتنة عالية تجاه الإغراء الذي يتضمنه أي عمل صحفي يُهمل الضجيج والهجاء، ويؤكد انحيازه لقضايا حقيقية. تكمن مشكلتنا الأساسية في اعتيادنا على كونها موجودة بالقرب دون أن تصيبنا بالأرق. القرب هنا يرتب مسافة من الأشياء، لا تقاطعاً معها، ويفسد الانتباه تماماً. يبدو أن المسألة هنا بالنسبة لي – وربما بالنسبة للكثيرين- لم تكن كما هي بالنسبة ل “الضبيبي”، الذي لم يفسد ذات القرب انتباهه وتعاطفه، ولم يستطع التكيف مع فكرة الاعتياد على وجود “مأساة” ما بالقرب منه وإهمال ذلك ببساطة! الواضح فيما يتعلق بنا أن قدرتنا على التعاطف أصيبت بالخراب؛ فالاعتياد يرتب ضموراً في مستوى الاستجابة، فلا يدعها تغادر منطقة الإحساس ل “برهة” بالحزن فقط. وهو يخفض من الانفعال تجاه أي حدث يتكرر، كما أنه يؤدي تماماً إلى أن تكون غير معني ومتجرد بالفعل من الحماس!
هكذا كان الحال إذاً بالنسبة لموضوع السجناء المعسرين، قضية قد يمر بسمعك قصص كثيرة عنها دون أن تصطاد انتباهك واهتمامك. ولكن علي الضبيبي وصحيفة “النداء” انتزعاها من التجاهل والاعتياد، لتتحول إلى حملة وملف ضخم وحقيقي يتغذى على اتساع دائرة المأساة وانكشاف غطاء الصمت عنها. إنه فعل صادر علينا استقرارنا في الكتابة “السهلة”، وأحدث تحويلاً في اهتمامنا نحو مناطق ليست معتادة في العمل الصحفي!
يشبه الأمر تمريناً من زاوية ما: تقوم “النداء” ببساطة بإجبارك على خفض تطلعاتك من قضايا كبرى، نحو أخرى بسيطة ومؤلمة، وتقع في الأسفل حيث لا ننظر بالعادة. باستمرار هناك ملف أو موضوع يُغادر الإثارة والكليات التي نحب “التنطع” لمقارعتها. وهو شأن يخلق تأكيده والإصرار عليه مزاج وتطلب جديد لدينا، يحكم انتظارنا للصحيفة، وندرك فيه أن الجهد يجب أن ينصب نحو قضايا “الناس”. تبدو قضايا الناس بالعادة تعبيراً فضفاضاً وغير مستساغ، أو ربما منتحل بشكل انتهازي! ولكنها رغماً عن ذلك، وبالفعل، تقع في المنطقة الصامتة التي نتجاوزها باستعلاء غير مبرر أو مفهوم. ربما يتعلق الاستعلاء هنا بكون العمل في هذه القضايا يستدعي اختباراً قاسياً لإمكانيات “الصحافة” في اليمن تخشى من فضيحة “الفشلـ” فيه.
المربك لي (والممتع في آن) في موضوع ” السجناء المعسرين”، هو المهارة في انتزاعه من منطقة الإثارة والاصطياد السياسي نحو الحيز الحقوقي الصرف. وبالتالي عدم إفساده في منازعات عمياء نقع فيها ضمن رغبتنا الدائمة ب هجاء “الحكومة”. في هذه الحملة – أو الملف الذي فتح بثقة وتأنٍ- كان ملفتاً بالنسبة لي طبيعة التعامل مع الجهات الرسمية ذات العلاقة بموضوع “المعسرين”: النيابة، إدارة السجون، مجلس القضاء… الخ. ضمن فهم لا يحاصرها في حيز الخصم المطلق، بل يوظفها في أداء وتعريف يضغط ويعترض على كونها جهات لا تقوم بوظائفها ببساطة، وتتنصل من مسؤولياتها، وتهمل الكلفة الإنسانية لأخطائها وتعسفها!
 الفرق بين تفصيليين يكمن في أن الأول يتحصن في مزاج عدائي مطلق، ويحول “الرسمي” للوحة رماية يتم التصويب عليها لإصابتها باستمرار. بينما الثاني يتحرر من إدمان الخصومة، ويتعامل مع هذا “الرسمي”، ويكشف أخطاءه، ويضغط عليه لتصحيح وظائفه، والاستجابة للمسؤوليات التي تقع عليه، أو تلك التي ترتبها أخطاؤه. تحول كهذا في الأداء الصحفي (وحتى النفسي، فالكثير من المواقف في العمل المهني مؤسسه على “السوية” النفسية، ومدى تشبعها بالعدوانية والاستعراض، أو ميلها للتعقل وتحقيق الجدوى) يؤدي إلى تحول أيضاً في سياق اللغة المستخدمة، فهي تتجرد من العموميات، والشعارات، وتبدأ بالتعلق بأشياء محددة: أسماء، وقائع، تواريخ، وثائق، انتهاكات، حقوق… الخ. الإنصاف في العادة تحققه وتحميه استمرارية المطالبة بالحق، والتأكيد على أشياء محددة، وتجنب التذرع بالعموميات، أو توسل الصراخ.
في ذلك إذاً يجب إنصاف “الضبيبي” بالضرورة: كان اشتغاله الصحفي على قضايا “المعسرين” مهنياً تماماً، ومؤسساً على شغف حقيقي ب “المظالم”، ورغبة بالتعرف عليها، وكشف ما هي قائمة عليه، والسؤال عن ضحاياها، والمطالبة بقصر التعسف فيما مر منها، وعدم المساومة على “حقوق” للناس، سبق أن تم التضحية والاستهانة بها.
المسألة إذاً: شغف، ومصداقية، ومهنية. إنها تفاصيل مرتبة ببساطة، كما حكتها تماماً واقعة نجاح متميزة لعمل صحفي يمني دؤوب وملتزم يؤديه دون ضجيج وباقتدار صحفي شاب هو علي الضبيبي. “النداء” لديها الشغف ذاته، فكان أن أنصتت لصوت هذه القضية. ولأن اهتماماتها تقع بالعادة خارج منطقة التجاذبات العامة أو الهجاء، فقد كانت الوحيدة المؤهلة للتفاعل مع القضية، ورعاية هكذا عمل صحفي ناجح وحقيقي.
إن حملة السجناء المعسرين سلطت الضوء عل فشل حقيقي في تقدير قيمة الفرد لدى مؤسسات الدولة، وكشفت وجود مزاج “جباية” بدائي، ينخفض فيه الانتباه للكرامة الإنسانية، ويؤدي إلى آليات “تصريف” للقضايا تتعامل مع الزمن بإهمال، ولا ترى قسوته على أفراد يعزلون ويهملون خارج الحياة لأنهم لا يملكون المال فقط! كما أنها أكدت على ما يُستحق للفرد من الحقوق الإنسانية، وحقوق المواطنة، لم تجد لها سبيلاً في العمل والتقدير الرسمي، ويقع الاهتمام بها فقط في منطقة الأداء الاستعراضي لإعلام الحكومة، وخطابات “أولي الأمر”! مؤشراً بذلك على “انفصالـ” مُرعب بين منظومة القوانين والحقوق، وقدرة المواطنين على الاحتماء بها في وجه “التعسف”، أو”الإهمالـ”، أو “الفساد”. وهي حملة وجهت أيضاً لائحة اتهام قاسية تجاه العمل الصحفي في اليمن الان، حيث ينخفض الاهتمام بالقضايا الحقوقية ويقتصر الأمر على نشر “الشكوى” أو إيراد “خبر”. ضمن منطق يؤكد على “إبراء الذمة” فقط!
أكدت “النداء” في هذا الملف الحقيقي، وفي عملها المستمر عليه، على الجدوى الإنسانية والمهنية العالية التي يتضمنها العمل على حملات صحفية مستمرة في قضايا حقوقية مهملة وصامتة، بشكل يضع أي معني، أو صاحب مسؤولية، تجاه واجباته، ويحمي ويفعِّل من صلاحيات القوانين، والحقوق المترتبة لنا في إطارها، مما يؤدي إلى التعاقد معها، والثقة بها، واستعادة المجتمع من الخوف وعلاقات القوة. كما أنه شأن يُنشئ للصحافة “رأسمال جديد”، قوامه الاحترام والمصداقية والثقة، ويعزز من طبيعتها المهنية، ويؤدي أيضاً إلى توسيع دائرة الانتباه لها، والتعاقد معها، فتتسع خارج إطار النخب، لتصل إلى المستوى العام، وتتفاعل معه، وتشده إليها. وتلك هي تماماً المنطقة المهجورة من الصحافة بسبب ضعفها، وانخفاض مهنيتها ومصداقيتها عموماً!
maged231@yahoo.com