3644 – مروان الغفوري

3644 – مروان الغفوري

في واحدة من الكدمات النفسية، التي اعتدت على استقبالها والتعايش اليومي معها، كان أستاذ جراحة العظام في جامعة عين شمس، عندما كنت طالباً في البكالوريوس، يشير بقلمه الليزر إلى فيلم أشعة معلق على فانوس طبّي. وبنبرةٍ ما لم أستطع تحديد علاماتها، أحال أهداف الثورة الستة، اسم النبي حارسهم، المكدّسة في ذاكرتي إلى سؤال عبثي قديم. لقد كان البروفيسور واضحاً للغاية: لاحظوا أن سرطاناً بهذا الحجم هو أمر في عداد النادر طبيّاً، ما لم يكن المريض من اليمن، كما هو حال هذه العيّنة المتاحة أمامنا، وكما هو الوضع مع الحالات المرضية التي تأتينا من اليمن، بصفة عامة.
وبعملية شبيهة بسلوك النعامة، فقد دمجتُ هذه الحقيقة المكررة مع أخواتها الشقيقات: 37% فقط من طلبة التعليم الأساسي يواصلون تعليمهم حتى المرحلة الثانوية (أقل من نصف هذه النسبة يحصلون على فرصة القبول في الجامعات الحكومية) و47% من الجماهير اليمنية، على أكثر التقديرات شياكةً، تعيش تحت خط الفقر. وتذكرت جيّدا الثورة اليمنية، ولمتها في نفسي ليس لأنها أخفقت في رعاية حقوقها الستة، التي منها القضاء على الفقر والجهل والمرض، بل لأنها تآكلت تماماً عشية سقط أصلها النظري الأوّل، الماثل في القضاء على سلطة الفرد، منذ اللحظة التي اشترط فيها السلال – كما يقول إدجار أوبالانس – تعيينه رئيساً للجمهورية نظير تأييده للثورة، وحتى الراهن. الأمر الذي أدى إلى سقوط كل ما انبثق عن أصل الثورة الجوهري، من أهداف ستة، أو أي قيم شعاراتيّة أخرى لم تعُد تقنع جائعاً أو تعافي مريضاً. ولم أتساءل، هذه المرّة، عن معادلات المأزق والمخرج؛ ربّما احتراماً لهيبة حضور السرطان، واستشعاراً خرافيّاً لوجه آخر يقف خلفه لا يقل بشاعة عنه، هو المتورّط في إطلاق سراح هذا البهيموث (تنين أسطوري) ليختصر المسافة بين الموتين، الحقيقي والمقنّع، في يمن ما بعد الثورتين والوحدة وحروب الاسترداد. وكخائف يرى الموت أمامه، في شكله اليمني الفريد، ارتبكتُ وهرّبتُ نفسي خارج قاعة الدراسة. ولا تزال صورة الموت اليمني، بقرنه الوحيد ووجهه المسخ، تدورُ كالحلقة المفرغة في مجتمع المرض المفتوح وخيارات الصحة المغلقة، مجتمع الكرنفالات، والجوع، والمشاريع الرقمية.
لم تكُن المرّة الأولى التي أسمع فيها اسم اليمن، في مدرجات كلية الطب، مقروناً بخرافة تثبت القاعدة العلميّة. فحديث أساتذة الطب في مصر عن الحالات المرضية الوافدة من اليمن يتجاوز في عجائبيته خيالات الزبيري في بلاد واق الواق. ليس من قبيل التهويل، فأنا أعلم يقيناً أن كثيرين من متلقي هذه الرسالة ليسوا من الذين يبدون استجابة ما لعمل درامي تجريبي. ولكثرة ما نسمع من إحالات وإشارات طبّية غريبة ومذهلة إلى أمراض بعينها، بوصفها خصيصة يمنية، فقد قررت أن أسدي نصيحة مدمجة إلى أصدقائي الذين انسحبوا، في لحظةٍ ما من لحظات الإيمان بالنشيد الوطني، من محاضرة دراسية احتجاجاً على إشارة علمية بدت لهم جارحةً لبكارة اليمن من بروفيسور، اعتبروه آنذاك في مسيس الحاجة إلى دروس في اللياقة واحترام ثقافة الشعوب. ذكرتهم بما يقوله المصريون في مثل هذه الظروف الحرجة: «ضربوا الأعور على عينه قال: خربانة خربانة». مرّة أخرى، لقد كان أصدقائي واضحين حين استخدموا مصطلح “ثقافة الشعوبـ” بينما هم يشيرون ببراءة إلى انسحاق الصحة في اليمن. فعلم النفس الاجتماعي يتوقع تحوّل الكارثة إلى ثقافة حين يطول أمد استيطانها ويكون من الصعب إزاحتها، بعيداً عن جملة الأسباب المفضية إلى الكارثة أو تلك الموهنة لممانعة المجتمع تجاهها. لقد كان مما قلته في نصيحتي لأصدقائي، الطلبة اليمنيين المنسحبين، إن عليهم أن يتخففوا قليلاً من حمولة النشيد الوطني، لكي لا يكتشفوا أنهم، في خاتمة المشهد الوطني الحار، قد قضوا الجزء الأوفر من العام الدراسي خارج المدرجات. وبُغية استيعاب المشكل – الكارثي في ظروف مواتية من الاسترخاء والتجريد.
لنترك هذه البقعة الحمراء تكبر قليلاً، حتى لا أبدو متورّطاً في إشاعة سيرتي الذاتية. فمثلاً: يصاب الكوميديان فهد القرني بالذهول حين يجد نفسه، فجأة، وسط مسافرين في رحلة جويّة على الخطوط اليمنية إلى مصر؛ ففيما عداه اكتشف أن كل المسافرين مرضى ومعاقون. يلخص القرني، كعادته، هذه المأساة بلغته المسرحية: سألت إحدى مضيفات الطائرة ” أين الونّان”.. في إشارة ذات معنى بسيط وبليغ. فحتى موظفو طيران اليمنية أصبحوا يعتقدون بوجود ذلك الشبه الحاد بين سيارات الإسعاف وطائرات بوينج التابعة لمؤسستهم الكبيرة. وإذا استخدمنا اللغة التصويرية نفسها، فسيكون بمقدورنا تخيّل مطار القاهرة على هيئة صالة طوارئ كبيرة، يتواجد فيها رجال الأمن الغلاظ نيابة عن الأطباء. الأخيرون، بدورهم، سينتظرون وصول هذه الأسماك اليمنية الطازجة إلى عياداتهم، فهُناك سيقيمون حفلات شواء على أعلى مستوى، يحضر فيها الوطن مكدّساً في جوازات السفر، ويغيب بالصدفة عمدا الملحق الطبي لدى سفارتنا. هُنا، لا أجد رغبة في الإشارة إلى أن الملحق الطبي اليمني في القاهرة هو طبيب شاب , وسيم , حديث التخرّج. وبالمرّة فقد أحسنت الأقدار اختيار أبويه، يا للمواطنة! وجعلته نجلاً لمدير مكتب رئيس الجمهورية.
هُناك – من ذوي المجد في الأعالي – من لا يميل إلى التفاعل مع الكتابة الإنشائية. ومعظم هؤلاء، أيضاً، لا يميلون إلى تفضيل أي لون كتابي آخر، ومع ذلك فهم مهمّون للغاية وأذكياء. وبالمجمل، فنحنُ على هذه الحال الكبيسة. لنتعاطَ الأرقام التالية، ليس من قبيل التسلية، ولا رغبة في كتابة سيناريو قصير لفيلم رعب بدائي: رحلتان يوميّا على متن طيران «اليمنية» إلى مصر، بواقع: 14 رحلة في الأسبوع. وبحدّ أدنى، فلنفترض أن كل رحلة تحمل على مقاعدها خمسين مريضاً. سنحصل على عدد 35 ألف مريض في العام يدخلون مصرَ، عبر طيران «اليمنية» فقط. وإذا ما رفعنا العدد الافتراضي إلى 100 مريض لكل رحلة، وهو ما يؤيّده معظم من سألتهم من موظفي «اليمنية»، فسنحصل على الناتج: 70 ألف مريض في العام إلى مصر، عبر اليمنية للطيران فقط. ناهيك عن الذين يتجهون صوب الأردن والسعودية وألمانيا، من خلال عديد من الخطوط الجوية الدولية، فهذه غيبيّات بالنسبة للحظة الدهشة الراهنة. سيرتفع هذا الرقم ليصل إلى 250 ألف في تقديراته تحت العُليا إذا وضعنا في اعتباراتنا الحسابية التقديرات الأعلى لنسبة المرضى بين المسافرين، وأن هناك رحلات مناظرة على طيران المصرية،والعربية، والأردنية، والإماراتية، و أيضاً بضم سجلات المرضى في الدول الثلاث المشار إليها سابقا. وللتبسيط فقط، سنفترض عدم وجود دولة أخرى يقصدها المريض اليمني غير هذه الدول الأربع. ستبدو المحاججات مملة إذا فكر وطنيّ ما، من حفظة النشيد، أن يخفّض العدد بتقليل نسبة المرضى إلى نسبة المسافرين في كل رحلة طيران. فأنا أعلم يقيناً أن اليمني لم يضع في حسبانه، بعدُ، ميزة التحّول إلى سائح رأسمالي، ينتظر فراغ موسم القات، أو القمح، ليحط برحاله في خان الخليلي، أوبين القصرين، رغبة في اكتشاف الأمكنة الروائية لنجيب محفوظ. أستبعد ذلك تماماً، فمنذ أيام قلائل أخبرني أحد أصدقاء وزير سياحتنا بقصة غريبة. كان يقهقه وهو يروي: «قال لي الوزير، إنه اقتنع مؤخّراً بفكرة سياحة المخاطر فهي لا تكلف الوزارة أكثر من علبة تونة وحبل سميك، لكل سائح!» يارااجل! أضع هذه الأمثولة هُنا لأستبعد وجود الهوس السياحي لدى جحافل القبائل عديدي مواسم الهجرة إلى الشمال.. بحسبان السياحة فكرة حضارية تقع في خانات ما بعد الوباء والفقر والجهل. ويبدو أنها لا تزال كبيرة على وعي وزيرها نفسه، بوضعه تحت إضاءة القصة المحكيّة أعلاه.
أمامنا الآن ربع مليون مريض سنوي يغادرون صنعاء يالهول الكارثة! لنترك البقعة الحمراء تأخذ انتشارها الحقيقي: وبفرض أن كل مريض ينفق(فقط) خمسة آلاف دولار في رحلته العلاجية إلى الخارج. أمامي رقم مخيف، فشلت حاسبتي في قراءته (1250000000) دولار. مليار وربع المليار دولار في السنة! أما إذا رفعنا التقديرات قليلاً، لكي نبدو أكثر معقولية ومنطقاً، باعتبار أن عملية قلب مفتوح – على سبيل المثال – تكلّف المريض 7 آلاف دولار، مقابل العملية فقط، فضلاً عن كل ما يحيط بالعملية من علاج وفحوصات وتصويرات كشفية ودفوعات مستشفى، مضافاً إليها تكاليف الرحلة من التذكرة إلى العودة، والسرقات الدسمة التي يتعرض لها السذج من بسطاء المهاجرين بحثاً عن الحياة. إذا فعلنا ذلك فسنقترب من مليارين ونصف المليار دولار في العام. بمعنى: أكثر من نصف منحة لندن ذائعة الصيت،ونصف الموازنة السنوية البئيسة العظيمة. أؤكّد أني لستُ بصدد كتابة سيناريو لفيلم رعب، ومع ذلك فأجدني مصرّاً على استكمال العملية الحسابية حتى منتهاها. فنسبة المرضى الذين يصلون إلى مطار القاهرة تتفوق قليلاً على تلك النسبة التي تحلّ على سماء عمّان. بينما مجموع الذين يبحثون عن الخدمات الطبّية في ألمانيا والسعودية ودولٍ أخرى ربما يتجاوز نصف الذين يهبطون في مطار علياء الدولي، في الأردن. سأتوقف هُنا عن عمليات الجمع، على أمل أن يقوم بها طرفٌ ثالث، حفاظاً على شكلي العلمي، فربما اعتقد متسرّعون أني مخرج فاشل. وكل ما في الأمر أني تحسست واقعنا المزري خلسة عن أكاذيبنا الوطنية، واحتفالنا الصوتي بفراغنا الكبير. شخصيّاً، في كل حفل مايوي عظيم يحضره حاخامات القدّاس اليمني أعلم يقيناً أننا معنيون بقول الشاعر:
ألهى بني تغلبٍ عن كل مكرمةٍ،
  قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
 فلا شيء من المكارم غير قصيدة ابن كلثوم، ذائعة الصيت، ودوشتها وضجيجها وملصقاته التي تملأ السماء، حتى شغلتنا عن أي عمل آخر. ثم، ها هو الإنسان اليمني على ظهر الكوكب وحيداً عاجزاً متسوّلاً، يبحث عن لحظة للسكينة، خالية من الألم، بكيفما اتّفق، ولو في الصين. لم تستره وحدةُ عمرو بن كلثوم، ولا ثورته، ولا حروبه، ولا النشيد الوطني، وكلها قصائد ترغو فوق حلق المغني، عارية لم تعد قادرة على خداع أحد بعد الآن. وبالمناسبة، في لحظة المكاشفة هذه، ستبدو الثورة اليمنية ذكرى أناس أطلقوا النار على رجل فمات، وليس أبعد من ذلك، بالنسبة لمريض يقطع آلاف الأميال بحثاً عن علاج لقرحة المعدة. بينما تحْضر أحجيّة الوحدة اليمنية،كما قلتُ، على شاكلة قصيدة صوتية يشغل بها بنو تغلبٍ فراغهم الكبير. باعتبار هاتين اللحظتين التاريخيتين فقدتا معناهما الجوهري، كما تقول الأرقام،وليس هُنا فحسب… وبمراعاة حقيقة أنه لم يفد منهما غير أناس قليلين، أولئك الذين يختالون في كل مناسبة وطنية كما لو كانوا للتو قد ربحوا ورقة يانصيب ثمينة. وفي كل الأحوال، فإن هاتين اللحظتين لم تتسعا لنا جميعاً [لنبحر سوياً] كما تقول الأكذوبة.
أتصوّر أن للرقم قدسية خاصة، فمثلاً كان فيثاغورث يعتقد بألوهيّة الرقم واحد، وهُناك ديانات عديدة اعتمدت فلسفتها على الرقم. وطبيعي أن يكون من بين هذه الديانات ما تحاول الحكومة إشاعته والتبشير به في كل مناسبة، مهما صغرت قيمتها الاعتباريّة. فمثلاً: 3644 مشروعاً في إب في عام واحد، طبقاً لكل البيانات الرسمية التي رافقت فقاعة الحفل الوحدوي الأخير. ولأن الدين، في كثير من مكوّناته الداخلية، يظل عصيّاً على الفهم المنطقي بسببٍ من ارتباطه بالغيبي والفوقي الخارق، فإنه يُراد لنا أن نتقبّل هذا الرقم تحت ذات الذريعة اللاهوتية. ولا يمكن أن تُقبل محاجّات دنيوية مثل: لو أن كل مشروع عبارة عن “صندقة” أو ورشة خراطة، لطمرت هذه المشاريع محافظتي تعز وإب، وربما اقتربت من وادي الحسيني. فهذا من قبيل التجديف، وينبغي أن يكون الرد عليه حاسماً بلغة: اقبلوه هكذا لأنه أكبر من عقولكم.
وعن هذه المشاريع ال 3644.. لنلجأ إلى فرضية مادية عادية: إذا اعتبرنا كل مشروع، من هذا الكرنفال المشاريعي غير المسبوق تاريخياً، هو عبارة عن عيادة صغيرة، لا يتجاوز رأسمالها المليون ريال يمني، وقسمنا عدد المرضى الذين يغادرون صنعاء سنويّاً (250000) على عدد المشاريع، فسنحصل على الناتج التالي: 68 مريضاً للعيادة الواحدة في السنة. بمعنى مريض يمني واحد لكل عيادة في الأسبوع. وبفرض أن هناك أربعة ملايين مريض سنويّا لا يتمكّنون من مغادرة اليمن، وقررنا إشراكهم في مرقة المشروعات الجديدة فسنحصل على الرقم التالي: مريضان لكل عيادة في اليوم. ستقفز اليمن بهذا النجاح إلى الدولة رقم واحد في العالم، من حيث توفير الرعاية الطبّية اللازمة لمواطنيها، ومنحهم فرصة متابعة حالتهم الصحّية على مدار السنة، بهذه السلاسة والوفرة، بما في ذلك من مزايا اكتشاف الأمراض الخطيرة مبكراً، ومهاجمتها قبل أن تتفشى، ونشر اللقاحات المهمّة وعلى رأسها لقاحات فيروس الكبد، وهو ما سيقلل من حالات وفيات سرطان الكبد والتهاب الكبد الوبائي، و.. إلخ. وليكن في الحسبان، من جديد، أننا نتحدّث عن مرضى عموم التوزيع الجغرافي اليمني الذين يضطرون للسفر إلى الخارج،ونقوم بعملية نقل (ترانسفير) للرحلة إلى محافظة إب، حيثُ تحولت المدينة – وفقاً للخطاب الرئاسي – إلى ورشة، تفترض أن تفيض على اليمن صحّة وطول عمر، كما كانت تفعل حين غنّاها أسعد الكامل:
وفي البقعة الخضراء من أرض يحصب،
  ثمانون سدّا تقذف الماء سائلاَ
تجتاحني جملة من الأسئلة المفرّغة، وهي ذلك النوع من السؤال الذي لن يحصل على جواب، فهل لدى السفارات اليمنية في الدول المشار إليها إحصائيات حقيقية بأعداد المرضى الذين يصلون إلى هذه الدول؟ هل يقوم الملحقون الطبّيون فيها بعمل دراسات، من واقع وثائق المرضى، لتحدّد المرض الأكثر انتشاراً والأقل انتشاراً ونسبة وفيّات أمراض بعينها، لتزوّد بهذه البيانات وزارة الصحة في اليمن؟ وهل طلبت – من أساسه – وزارة الصحّة مثل هذه الدراسات؟ وتحت سطوة هذه الأرقام المخيفة، ألم تفكّر وزارة الصحّة في بناء مستشفيات جديدة بإمكانات حديثة وتأهيل كادر جديد يساعدها في مواجهة هذه الموجة الجديدة من الوباءات اليمنية؟ هل لدى الوزارة دراسات وافية عن الكادر الطبي اليمني، واحتياجاته أو اكتمالاته في تخصص ما؟ لماذا لا يوجد في محافظة مثل تعز، يتجاوز سكانها الثلاثة ملايين، طبيب واحد يحمل شهادة الدكتوراه في أمراض المفاصل، أوالأعصاب؟ – إنسَ من فضلك محافظات مثل الحديدة أو المحويت أو شبوة أو حتى إب. ألم يخجل عميد كلية طب، في اليمن، من القول: لدينا اكتفاء في أطباء القلب في تعز، في حين هو يعلم يقيناً أنه ليس لدينا غير طبيبين فقط، بواقع طبيب قلب لكل مليون وثمانمائة ألف مواطن? ألم يخجل فرسان الأمن القومي المقيمون في مطار صنعاء، بصفة دائمة، من معايشة هذه الظاهرة؟ وهل سجلوها كواحدة من مخاطر الأمن القومي اليمني، ورفعوها إلى جهات التكليف العليا، بحسبانها تهدد أجيالاً كبيرة بالتشوه وفقدان الذاكرة الوطنية والانسحاق… بعد أن يبيع المرضى كل ما يملكونه في انتظار لحظة الشفاء؟ وإذا كان افتراش عائلة أبو سبعة الأرضَ أمام السفارة الأمريكية في صنعاء إهانة لشرف البلاد، اسم الله، فماذا عن افتراش ربع مليون مريض، في العام، لأرصفة بلدان لا ترحم، وتكدسهم كفقراء منسيين في بوابات المهاجر، وأمام كل السفارات بلا استثناء؟ ألا يثقب مشهد كهذا، الشرف والبكارة والتاريخ؟ ما هو الأمن القومي، بالتحديد؟ وما هو المنجز الوطني، إذا لم يكن على مستوى الصحة والتعليم والمعيشة؟ وما فائدة الثورة إذا غيّرت الوقائعَ على صعيد الشعار والنشيد الوطني وحسب؟ وما معنى الوحدة إذا لم تتجاوز في قيمتها الجوهرية ضجة عمرو بن كلثوم؟ أسئلة وفيرة، وأرقام أكثر وفرة.. وكلها لن توقف المغني، هكذا يبدو، عن إكمال معزوفته التاريخية:
إذا بلغ الفطام لنا رضيع..  تخرّ له الجبابر ساجدينا!
 وليته يبلغ الفطام بأقل إعاقة ممكنة، وعندئذٍ سيختار هو بنفسه لمن سيسجد. فما أكثر من سيشتري الفقر والمرض، مقابل الخصم من الرصيد الوطني والأخلاقي والأمني لهذه الأمّة اليمنية التائهة.
thoyazan@hotmail.com