«النداء» والمختفين قسراً.. تكريم ضحايا «الزمن الرديء»، ومحاولة «منعه من المعاودة»

«النداء» والمختفين قسراً.. تكريم ضحايا «الزمن الرديء»، ومحاولة «منعه من المعاودة» – نبيل الصوفي

حسناً تفعل هذه الصحيفة إذ تواصل نبش أسوأ ملفات الحياة السياسية ما قبل الوحدة – ثم بأيام حرب 1994م، وهو ملف الإخفاء القسري.
الملف يكشف واحدة من “عراقيبـ”، الحرب البادرة التي لم تزل تسكن وعينا، ولا يدينها كل طرف إلا حين يستخدمها ضد خصومه الحاليين.
يمكن جداً لخصوم الأمس حلفاء اليوم، وأخص الإشتراكيين والناصريين، أن يقيموا علاقة سياسية رشيدة، إن داخل اللقاء المشترك اليوم، أو قبل ذلك في فترة مابعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في أكتوبر 1978م، ضد الشرعية السياسية للجمهورية العربية اليمنية.
لكن هذا الرشد لا يبلغ حد أن يتيح لهما مناقشة هادئة للكارثة التي لايزال يمنيون يعانون منها ولو كانوا حتى بعدد أصابع اليدين، فهم في النهاية يمنيون صنعت لهم السياسة مآسي، أقصد “عنفية الصراع السياسي ” الذي حكم علاقتهما إبان أيام الصراع. فهناك ناصريون لا تعرف أسرهم أين ذهب بهم نظام حكم، هو شريك تنظيمهم اليوم.
الإشتراكيون أنفسهم، وفي سياق دورات العنف القذرة التي كانت تطحن العالم العربي، بل كل العالم تحت قوانين الحرب الباردة، ثمة أسر من قيادات وكوادر حزبهم لايمكنها أبدا أن تفهم معنى أن تنتقل البلد التي يعيشون فيها إلى ما يقال إنه “عهد التعددية والمطالبات بحكم القانون “، ومنها مناضلون اختفوا يوما فلا قيل لهم إنهم شهداء، ولا إنهم مفقودين ولا إنهم ضحايا خطأ ما “مثلا “.
والأمر ذاته في اليمن الشمالي، سواء ما قبل عهد الرئيس علي عبدالله صالح، أو فيه، ومنفردا أو وفق تحالفاته، مع القبيلة والدين، أو حتى في سياق الخبرة الاعتيادية – بدون أيديولوجيا – للجهاز الذي لم يكن يدرك طريقا ل “تأمين ” الأوطان، إلا ب “إخافة ” المواطن. وسواء وفقا للقانون العام الذي كان يخون التعددية، ويجرم العمل السياسي، أو خارج هذا القانون.
لا نريد أن يعود الأمر الى الساحة الجنائية، فحين يحدث ذلك فإن حكومة اليوم –كما فعلت بالأمس القريب مع مقبرة الصولبان- ليس لها من خبرة إلا التي تقول ولم “هؤلاء أحياء “، وليس “لم مات أولئك “.
لكننا نتمنى موقفا معرفيا أصيلا يدين الماضي وأساليبه القذرة، ويعتذر لكل أسرة بل ويكرمها تأكيدا لها أن اليمن “القذر ” لن يعود، فقد صرنا في يمن مختلف، حتى وإن لاتزال فيه أخطاء أمنية فإن التوجه السياسي لم يعد يربط السلطة بالوطن، بل صار التنافس عليها حقاً، ولو من حيث المبدأ.
لا نتحدث عن التعسفات، والمضايقات، بل نتحدث فقط عن نقطة وحيدة هي “الإخفاء “، وإذا وسعنا الأمر تحدثنا عن مبررات القتل والاغتيال، والتي نوفرها أجمعين، منذ كانت لحماية التقدمية، أو العقيدة، أو الوطن، أو مقاومة الطغيان والاستبداد، وغيرها من الجمل العائمة التي تسحق في ذواتنا معاني التعايش حتى ونحن نرفعها للدفاع عن الذات. ومن ثم تؤصل للإخفاء وفي أحسن الأحوال للإغتيال العلني.
إننا بجلدنا تلك الممارسات، والثقافة الأحادية التي صنعتها، نحمي مستقبلنا أولا. وسنكون أقل دموية في صراعاتنا.
لو أن الإخفاء القديم أدين، فإن الجديد سيصير صعبا، وإذا تم فإنه سيحدث وسط ثقافة إجتماعية مجرمة له، وهذه خطوة مهمة.
وإلا فإنه ورغم كل هذا الضجيج عن الحرية والدفاع عنها، فإن الأمر (من المعارضة) مجرد صراخ المدمن على الانتهاك لأنه حرم من أدوات ممارسته.
وكذلك فإن وكلاء العنف وكثيرين من صانعي الخوف والخروقات لأسباب مختلفة استقر بهم المقام داخل مؤسسات السلطة الحالية، ومالم تقاوم –الأخيرة- النزعة الإجرامية فيهم فإنهم سيواصلون ذات المهمة “الخالدة “.
ما لم يتضح لأجهزة الأمن أن القانون الذي لها الشكر على رعاية تطبيقه وحماية مصالح مواطنيه، صار اليوم يقر التعددية والاختلاف والمعارضة، والأهم أنه يدين مطلقا أي دفاع عنه بغير الخطوات التي حددها هو، وليس وفقا للخبرة الاجتماعية التي تعتبر العنف وسيلة شرعية طالما هو ممول بالمال العام، وتصدياً لحماية مطلقات عامة.
أو لنؤجل الحديث المثالي عن الحاضر والمستقبل، ولنقف فقط في الماضي، وبخاصة في هذه المنطقة “الإخفاء القسري ” التي لها من الضحايا أكثر من ضحايا “جوانتانامو “، والذين نرجو لهم السلامة والفرج. أقصد.
نريد نقاشا وطنيا، لا يكون هدف أي طرف فيه إدانة الآخر، بل فقط ينشغل بإدانة الثقافة الصانعة لمثل هذه الأعمال. وليت أن كل طرف منا يراجع أدائه وثقافته وحيدا وداخليا، حتى يكون الأمر تأسيساً معرفياً وتربوياً غايته قلع هذه “الحقارات ” من أعماق الذات الجمعية وثقافتها.
وباعتقادي أنه لو تم ذلك، فإننا سنتوقف عن التعبئة الخاطئة ضد المغاير والمختلف، وسنكون أكثر وطنية وديمقراطية حتى في اختلافاتنا، وسنكف عن النزعة الفضائحية التي لا تناقش اختلاف المختلف بل تجرده من كل فضيلة، مما يبيح لأي “تابع ” أكان جندي أمن، أو عضو حزب أو مرافقاً، أن يقوم بدوره –من ثم- في تطهير اليمن والميدان السياسي، وحماية العقيدة من “هذا أو ذاك “.
إذا لم يحدث ذلك، فإن فلنا أن نتوقع عودة هذه الإخفاءات. وإذا كان اليوم حكم المؤتمر الذي قد يفعل، فإن حكم غيره غدا سيقتدي به. ولكن كلا مع خصومه، والنتيجة أن الإنسان اليمني على موعد جديد مع إفرازات الثقافة “القذرة ” التي تشترط عليه “الاتفاق ” مع صاحب القوة، وإلا فإنه مهدد بأن يكون مرشحا للإخفاء.
قد لا يحق لي المطالبة بأن ترفع صور المخفيين في أماكن عامة، كإشعار اعتذاري جمعي.
وقد لا يحق لي أن أطالب الحكومة اليمنية أن تتحمل هي شرف المبادرة بـ”دراسة ملف المخفين” وتقديم المعالجات الممكنة التي هدفها الأول، الانتصار للوحدة؛ الإنجاز الذي عنى لنا الأمان، وكان اعتذارا حقيقيا عن ماض أسود شاركنا جميعنا، وكل من موقعه، في نقش لونه الكئيب.
كما –وهو أولى- لا يحق لي أن أتوقع أن تعيد أجهزة الأمن تربية منتسبيها على “احتقار ” “إيذاء اليمني، مهما كان السبب، وترك مهمة الإدانة للقضاء، والجدل للسياسيين، على الأقل وفاء مع إنجازات القيادة السياسية لليمن واليمنيين. وأهمها هذه الأجهزة وما يتوفر لها من إمكانيات، وما يحكمنا اليوم –مبدئيا- من منظومة تشريعات.
كما قد لا يحق لي أن آمل أن تعتذر “أبواق ” التعبئة التي تصدت لبذر معطيات الكارثية طيلة نصف قرن من حياة هذه البلاد أيا كان مربعها السياسي، خاصة وكثير منها يواصل اليوم ذات الدور ولكن فقط مع تغير “المقدسات “. فضلا عن أن تسهم في تقوية احترام الاختلاف، وإشاعة تقدير الرأي المخالف كرأي آخر، يصدر عن إنسان فقط وليس كصواب.
والأمر ذاته بالنسبة للأحزاب، خاصة والثقافة الأحادية تكاد تخطف منا “فكرة اللقاء المشتركـ”، سواء أحادية الحكم والحاكم، أم أحادية الرفض والمعارضة. لذا نعترف أننا لا نطمح لمبادرات اعتذارية ولو بشكل غير مباشر، تقدم فيها “الصحوة ” صورة أخرى عن صالح مصلح وعلي شائع وعبدالفتاح اسماعيل، فضلا عن المختفين الذين يتهمون أقاربهم “الإسلاميين ” بأن لهم يدا في ذلك. وتتعامل “الثوري ” مع التاريخ كحق يمني، وتوفر لشركائها في الحزب ذاته رؤية تفاصيل كانت تسحقها الاختلافات الأيديولوجية تجاه قيادات غيبتها الثقافة الدموية اجتماعيا أو حتى المصدر تحت معطف الأيديولوجيا، أو لنقل -تسامحا– سببتها عوامل الصراع وقوانينه التي كانت تحترم من قبل كل الأطراف (نعم، لم تتفق حركتنا الوطنية على شيء كتنكيلها ورفضها لبعض).
أو تتذكر من خلالها دولة المؤتمر الشعبي العام، وهي تقود الحرب المشروعة في صعدة، أن اليمن الجديد، لن يكون كذلك حين يشابه القديم في تبادل “الخرق والخرق الآخر” للقانون بحجة أن الآخر يفعل. وأن كل مواطن يمني في صعدة تقصف حقوقه تحت حكم القوة بعيدا عن حكم القانون –سواء من المتمردين أو من قوات الجيش- دليل على أن صعدة “استدراك ” يمني يواصل تفريغ المخزون الإجتماعي للعنف ورذيلة الدموية.
أقول، قد لا يحق لي كل ذلك، لكنه يحق لي، أن أتمنى على هذه الصحيفة أن تواصل دورها –تتبعا إنسانيا ومهنيا ومحايدا- لتكريم اليمنيين الذين قضوا نحبهم تحت تأثير ثقافة لعلهم كانوا يؤمنون بها، لكن خصومهم كانوا أكثر جاهزية ليحفروا في تاريخ اليمن “الزمن الرديء “..
nbil21972@hotmail.com