التمييز الإجتماعي.. انتهازيةٌ باهضةُ التكاليفْ!!.. إبنة السنوات العشر التي ينادونها بسمة «الجزار»

التمييز الإجتماعي.. انتهازيةٌ باهضةُ التكاليفْ!!.. إبنة السنوات العشر التي ينادونها بسمة «الجزار» – يحيى هائل سلام

نهاية اليوم المدرسي، تعودُ ” بسمة ” إلى البيت، على ظهرها تحمل لوازم الدراسة، وروحها مثقلةٌ بالسؤالْ: ” أنتَ معكْ اسم مثل كل الناس، فليشْ يابابا ما يصيّحوا لي بالمدرسة إلاّ بسمة الجزارْ؟ “!!
بسمة عبدالله منصور، إبنة السنوات العشرْ، تبدي تفهماً لمواعظ ودروس الثقة بالنفس، الملقاة عليها جواباً للسؤال. لكنها، وبكل تأكيد، عندما تكون قد كبُرت، وصار عالمها الخاص دفتراً للبراهين على الهشاشة والنقصان، لن يسهل عليها ابتلاعُ المواعظ.
ليست الإشكالية وجودية خالصة، بل اجتماعية، وهي تجتر اعتقاداتٍ وانماطَ تصوراتٍ، تحتكرُ الهيبة والمكانة في نطاق جماعاتٍ ما، في حين تنمذجُ اللامكانة أخرى، وتلك هي الظاهرة: التمييزالإجتماعي.
 
* الهيتي: أتحدى أي واحد يثبت نسبه “لميتين” سنة.. مستحيل!!
* بسمة: ليش يابابا مايصيحوا لي بالمدرسة إلاّ” بسمة” الجزار؟!
* سفيان: “هُوْ إلاّ ناقصْ” تعني المقابل: أنا زايد. إنني أمتدح نفسي!!
* النهاري: احتقار المزينيين والجزاريين أعراف وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان
* منصور: أنامش لص، مش قاطع طريق، ولامهرب خمور. أنا جزار، وهذا لايخجلني
* الفلاحي: السلالية ارتبطت بموقع الحكم والممارسة الاجتماعية، إنها ليست بالنسب!

أستاذ علم الاجتماع بجامعة إب احمد الفلاحي يوضح ذلك: ” أي ظاهرة تنشأ تتحول الى وعي اجتماعي، ينطبق هذا على ظاهرة التمييز”.
ما هو اجتماعيٌ هذا، يقع تحت طائلةِ التفسيرِ النفسي. يقول نبيل سفيان استاذ علم النفس بجامعة تعز:” التقسيم والميل الى الترتيب خاصيةٌ من خصائص البشر، ففي صميم تكوين الشخصية الانسانية هناك تقسيم للاشياء، وميلٌ الى الترتيبـ”.
يضيف نبيل سفيانْ: ” في الحقيقة، عندما يصف انسان أخاه الإنسان بصفةٍ أقل منه، انما هو يبرز تفوقه عليه، يحاول السيطرة على العالم المحيط به، غريزةُ السيطرة هي دافعهُ الى ذلك “.
رئيس قسم علم الاجتماع بجامعة تعز، عبدالرزاق الهيتي، لديه ما يضيف الى سياق التعقيد:” تقسيم مجتمع ما الى طبقات، تصنيفه الى فئات ومستويات، لا يكون نتاجاً مباشراً لقرارٍ ما، في ذات اللحظة.. للتوْ”.
بالنسبة لوالد ” بسمة”، عبدالله منصور، وهو شاب عملي وطموح، امتهن الجزارة منذ كان طالبا أواخرالثمانينات، ليس الأمر كذلك، انه يعيش يقينه الخاص:” التقسيم الاجتماعي الذي نعيشه اليوم هو نتيجة مباشرة لقرار اتخذه وباشر تنفيذه نظام الحكم الإمامي”.
 
هُوْ الاّ ناقصْ!!
للوجع يقينه، وكذلك هو على ما يبدو يقين عبدالله، ففي السلم الاجتماعي الذي ينتظمه عملياً المجتمع اليمني، منزلته تكاد تلامس القاع، مجموعةُ المهن الموسومة بالمتدنية أو الحقيرة، هي المشترك بينه ورفاق له في المنزلة: المُزين، الدباغْ، المُقهوي… الخ، دلالاتٌ عديدةٌ، ومدلولٌ واحدٌ: هُوْ الاّ ناقصْ!!
” هو الا ناقص، تعني المقابل: أنا زايد، انني امتدح نفسي، أحافظ على مكانتي في المجتمع “، قال نبيل سفيان، قبل ان يضيف:” بالتأكيد هي مكانة بعيدة عن الحقيقة، نسبية مثل جميع القيم، ان مهناً منتقصةً في مجتمع، هي غير كذلك في مجتمع آخر، في العراق القصاب(=الجزار) شيء عادي، لا توجد مشكلة، لكن ” المطيرجي ” وهوالذي يُطَير الحمام في سطوح المنازل، لا يزوجونه، انه منتقص، أذناً المسألة نسبية، وللقارىء أن يتأمل ثم يحكم.. “.
عند اليمنيين القدماء، لم يكن العمل اليدوي والمهني موضع احترام فحسب، كان المكون الأساس لوجود الجماعة. تلك قناعة في كتاب، منتصف الثمانينات من القرن الماضي، أدانتْ المحكمة مؤلفه، الدكتور/ حمود العودي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء، أيضاً قضتْ بمصادرة الكتاب: ” المدخل الاجتماعي في دراسة التاريخ والتراث العربي – (دراسة عن المجتمع اليمني)”.
لم تكن القناعة تلك من بين موضوعات الحكم، لكنّ القاضي كان سيداً، هذا لا يعني شيئاً، مجرد معلومة بريئة، مدخل للتعرف على المنزلة الحقيرة من خلال الآخر: المقام الرفيع!!
 
مدهشٌ.. هذا مثير..
أعالي الدرجات، هي امتياز السلالة بالنسب ذي البعد الديني: فئة السادة، يليها القضاة، ثم القبائل، وبعدها، أصحاب المهن الموسومة بالحقيرة،أو فئة المزاينة، أما القاع، فهو نصيب اللون: الأخدام..
لماذا احتكرتها مهنٌ بعينها دون أخرى؟، لماذا الزراعات البقولية تلحق الدونية بأصحابها، ولا تفعل ذلك أخرى؟!
الرائحة!!، رائحةُ الزراعاتِ البقولية هي مصدر (الوضاعة). ليس للجواب بعدٌ طرائفيٌ، ففي دراسة “جلوبنسكايا إلينا” حول مسألة الفئات الدنيا في الهيكل الاجتماعي للمجتمع اليمني، هناك جوابٍ آخر: المحاصيل البقولية تنمو وتنضج على امتداد العام، العمل المستديم طوال السنة هو احدى مقتضيات تلك الصفة. من هنا جاء اعتبار هذا العمل بمثابة الوضيع والمهين لأي فلاح ميسور وقبيلي!!
ويعتقد نبيل سفيان أن ارتباط جملة من الصفات والخصائص، أسهم في صياغة التدني في النظرة الى تلك المهن دون أخرى.
الدخل والمظهر من وجهة نظره بين العوامل المساهمة:” كانت مثل تلك المهن تدر أموالا قليلة على اصحابها، كانوا في حالة فقر، هذا له دور “، ويضيف:” بعض هذه المهن تغير مظهرها، فمن الحلاق بالطاسة، يفترش الشارع، يضع الشخص في حضنه، ويحلق له بالماء، إلى الكوافير، لقد تغير المظهر الجمالي للمهنة، هذا خفف الى حد ما من النظرة “.
في اعتقاد “الهيتي”، تبقى الاسباب الثانوية وراء النظرة المتدنية: “الخلفية البدوية للمجتمع قد تكون أحد الأسباب “، ويضيف: ” المجتمع البدوي يركز على مسألة أن الأنسان لا بد أن يكون جاهزاً للكرّ والفرّ في غزو القبائل الأخرى، أو في الدفاع عن قبيلته، وطالما أن صاحب هذه المهنة، كالحايك مثلاً، هومرتبط بأداة، إذن يصعب عليه القيام بذلك الدور، من هنا ربما ارتبطت المهنة بالمكانة الإجتماعية الدنيا “.
 لكنْ ” بسمة” لم تمتهنْ الجزارةَ يوماً، ما من أداةٍ تشغلها عن المذاكرة وتحصيل الدروس، تَحُول بينها والكر صباحاً ناحية المدرسة، مع ذلك، تظل أسيرة النقصان.
 
هكذا قالوا.. كذلك فعلْ..
(مهيوب. أ. س) سلوك شخصي غاية في الذوق والاحترام، موظف وصاحب شهادة فوق الجامعي، قبل سبع سنوات تزوج، وعندما انتُزِعت من بيته وبين يديه زوجته بعنف السلاح وقوة الحيلة، ثلاثة أيام فقط كانت مرت على الزفاف، أقاربٌ لها فعلوا ذلك، لأن الزوج من وجهة نظرهم “مشْ أصيلي”، وفي حوزتهم الدليل: ورقة طاعنة في القدم، جدٌ له من بين شهود الورقة، ورد اسمُه متبوعاً بمفردة “المُقهوي”، على الحفيد إذاً أن يُطَلق، هكذا قالوا، وكذلك فعل!!
الدين الحنيف، تعاليمه السامية، كما لو تكون صريعة انقلاب في المفاهيم، اختلال في القيم. ” بلى.. بلى”، يقول عباس النهاري عضو لجنة تقنين أحكام الشريعة الاسلامية بمجلس النواب، مضيفاً:” أن دين الله لا يعترف باحتقار أي مهنة إلا إن كانت محرمة وغير جائزة، أما ما تعارف عليه الناس من احتقار أهل المهن كالمزينين والجزارين، فهي أعراف وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان “. لكن النهاري، لا يساند مطالبات عبدالله منصور، أو بالأصح عبدالله الجزار –هكذا أراد أن يشار إليه- مطالباته بإقرار أي تشريعات قانونية من شأنها الحد من التمييز على أساس المهنة:” مثلا يقولون في القانون انه ما يحقش لأي مواطن مهما يكن أنه يرفض تزويج أي شخص بسبب مهنته، يرفضه لأي سبب، لكن ليس لأنه جزار أوحلاق أو مقهوي “، والنهاري لا يسانده لأن لديه البديل، يقول:”الأمر لا يحتاج لتشريعات جديدة، ولكن الأمر بحاجة الى أن تنشر مفاهيم الاسلام الحقة “.
والى أن يحدث ذلك يبقى المعنى واحداً، أوحداً، ووحيداً: مادمت من نسل مهنة، من سلالة عمل يدوي فأنت حقير، مدان بالتدني والوضاعة، محاصر بالتهكم، وملاحق برجس العبارة: مش ابن ناس!!
” هذا وهم اجتماعي، وهم موجود عند كثير من الناس “، يؤكد الهيتي، ويمضي في الكلام:” تعال قل لي أنت مثلاً: لو تقول جزار أو حلاق مشكوك في نسبه، يعني شو.. ح تنسبه للجن، مش ح تنسبه للبشر؟! “.
وبحنق الغيور على ماهو إنساني يضيف:” كلكم لآدم.. ولا فيش واحد جا من الهوا، ولا من شجرة ولا من حيطة.. صح والاّ.. لا؟ “، ثم بثقة المطمئن الى علم الاجتماع يتحدى:” أنا أتحدى أي واحد يثبت نسبه لميتين سنة.. مستحيلة”!!
وأيضاً ساذجة، هل قال ذلك العودي؟، على هامش صفحة في كتابه: “التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية” قال ذلك،كان يناوش ادعاءات التفوق العرقي لفئة السادة في اليمن:” لدينا من الحقائق التاريخية والاجتماعية بالنسبة للمجتمع اليمني بالذات ما يؤكد فساد هذه الفكرة “. ويؤكد الفلاحي -استاذ علم الاجتماع بجامعة إب-:” هذه السلالية ارتبطت بموقع الحكم، والممارسة الاجتماعية، إنها ليست بالنسب “..
لفساد الفكرة سياق حاضر شبيه: بين حين وآخر، كثيرون يفاجئونك باختلاق ليس عفويا في الأسماء، ضم وإلحاق لدلالة من دلالات الهيبة والمكانة، القبائلية غالبا ما تكون هي الدلالة المختلقة المضافة تلك، والسبب بسيط: السيد ليس هو من يحكم اليوم، من يحكم هو القبيلي، الذين يفعلون ذلك، هم في الحقيقة  يتجاوزون مجرد الاستغراق في الوهم، الى الخلود فيه!
ما وراء الخلود شيء آخر: ” ليش أفعل هكذا؟ ليش أنسب نفسي لغيري؟ “، يتساءل عبدالله، سؤالاً استنكارياً. يضيف:” عبدالله الجزار أو عبدالله الحاشدي، عبدالله أي حاجة، أيش يتغير؟ أنا هو انا..”. ويسترسل في الكلام:” أنا مش لص، مش قاطع طريق، ولا بائع مخدرات ومهرب خمور، أنا جزار وهذا لا يخجلني، أنا فخور بذلك، لأنني آكل من عمل يدي، أطعم أولادي بالحلالـ”..
يضيف عبدالله: ” لأنني ميسور الحال ؛ يجاملني الكثيرون، يعتقدون أنهم يخدعونني، إنهم يخدعون أنفسهم، أما أنا فأعرف حقيقة شعورهم نحوي… كم هم انتهازيون!!”، وكم هو عبدالله حاسم في اجاباته، غير أن له نصيباً من خذلان العاطفة، لم يكن يتوقع السؤال، لذلك غاب في حضوره الكثيف للحظات قبل أن يجيب:” لا، لا.. مش حزين”!!
 
تكاليف… وكشف حسابْ!
لكنه كذلك، ومعه الكثيرون من رفاق المنزلة. يقول نبيل سفيان:” على الأغلب هم ليسوا سعداء “، وفي اعتقاد سفيان، للتمييز الاجتماعي الموجه ضدهم، النظرة المتدنية إليهم، كلفة نفسية باهضة، حظ المجتمع وافر من حصاد الكلفة، يقول:” الشعور بالنقص، الاحباط، يولد العدوان، هذا شيء خطير، العدوان أحيانا يؤدي الى صراع، والصراع يؤدي الى تفتيت المجتمع “.
إعاقة التنمية كلفة أخرى في كشف الحساب، إن الاستمرار في عزل فئات من المجتمع يبقيه جزراً معزولة عن بعضها بعضاً، هذا من وجهة نظر عبدالرزاق الهيتي له معنى:” عقبات كبيرة جداً. جداً في طريق التنمية “، في سياق المعنى، كان الهيتي أعد دراسة عن المجتمع اليمني، نشرتها مجلة “العلوم الاجتماعية” بعنوان: “الظواهر الاجتماعية السلبية وتأثيراتها على التنمية”. من بين ما أوردته الدراسة: ” إن من بين القيم الاجتماعية السلبية التي تعيق التقدم والتنمية الشاملة، انتشار النظرة المتدنية واحتقار العمل اليدوي “، بالتالي:” يجب عدم اغفالها، وبالذات حين توضع الخطط التنموية في المجتمع اليمني “.
لكنهم غافلون، بمعنى أو بآخر سيقولها سفيان:” ليست هناك تربية هادفة، بفلسفتها المفترضة للدولة والاهداف العليا، لذلك، ضعفت القيم، ضعفت فعلا وحقيقة، وليس كلاما انفعاليا “.
ودون مواربة يقول:” للأسف وأقولها بكل صراحة، إن مؤسسات المجتمع لا تعمل بشكل هادف، كل وزارة تعمل باجتهادات أشخاصها بشكل مقطوع ومجزوء عن المؤسسات والوزارات الأخرى” يضيف:” التقصير شديد من قبل الاحزاب ذات الاتجاه الديني، لقد تخلت عن مثل هذه القضايا الجوهرية وذهبت للعمل السياسي النفعي”!
من هذه العتمة، من كل هذا السواد، يتصاعد صوت الهيتي:”الأمل ما ينقطع” الأمل في إعادة الاعتبار لآدم!!
yahyahayl@hotmail.com