الأسطورة والإنسان.. إبداع مذهل اليونانية نموذجاً

الأسطورة والإنسان.. إبداع مذهل اليونانية نموذجاً

محمد عبده الشجاع
> إلى صاحب الفردانية في الفكر الفلسفي المعاصر.. الدكتور حسن الكحلاني
حين اخترت هذا العنوان “الأسطورة والإنسان.. إبداع مذهلـ” لم يكن من فراغ، بل جاء نابعاً من عاطفة صادقة لم أستطع استبدالها، رغم أن المعني في كل هذا الإبداع هو الإنسان، فهو من خلق الأسطورة وصنع آلهتها فكانت هذه الولادة الرائعة.
قد يتفق الكثير من المفكرين على الدور الذي لعبته الأسطورة عبر هذه المراحل وحقب التاريخ بكل تنوعاته، كما قد يقر الغالبية بعظمة الأسطورة ومبدعها الإنسان، غير أن ما يشغلني هنا، هو ذلك التساؤل الذي مفاده، لماذا كل هذا الخلط بين الأسطورة والحكاية الشعبية والخرافة؟ وهل هو منطقي على اعتبار أن الخلط أساسه الأسطورة نفسها بتركيبها السردي وارتباط بعضها بالحكاية والخرافة؟ أم أن هناك قصوراً في تحديد الأسطورة، نتج عنه هذا الخلط الذي يقع فيه الكثير من القراء والمطلعين حتى اللحظة حسب اطلاعي؟
لكن قد يقال ولمَ لا تكون الأسطورة اسماً شاملاً لمسميات فرعية مثلها مثل اسم شجرة التي يأتي منها التفاح والعنب والشوك والطلح والكافور وغيره.
تكثر التساؤلات التي ما تنفك تَصْلب الباحث في خضمها للتعمق أكثر والوصول إلى تفسيرات ولاّدة في الغالب لتساؤلات جديدة لانهائية.
ويبقى المهم عند طالب المعرفة تتبع مسيرة الأسطورة ودراستها من منطلق أنها الفكر الإنساني الأول الذي شغل ذهن وحواس الإنسان نفسه في كل المراحل حتى اليوم، والذي يعتبر تفكيرا كبيرا ناتجاً عن حجم العقل الإنساني المشدود إلى الطبيعة والكون على الدوام منذ الهبوط الأول.
وفي ختام هذا يبقى السؤال الشخصي كيف وما هي القدرات غير العقل التي أدت بالإنسان إلى إنتاج كل ذلك؟ ربما تكون المعرفة.. الضرورة الأهم لأنه من غير المعقول كل هذا المحيط والشواهد ولا تحرك في الإنسان الدهشة!
كما أن ضرورة التفريق بين الأسطورة والخرافة أو الحكايات الشعبية مهم جدا، من أجل تسمية كل موضوع باسمه، وعدم الخلط للوصول لنتائج واضحة، لا يشوبها أي خلل، فدائما ما يؤدي الخلط إلى رسم وتدوين معلومات خاطئة، تعمل عبر التاريخ على تداول موضوعات غير صحيحة، وهذا لا يعني إنكار الجهد الذي قدمه العديد من الفلاسفة، والمفكرين الباحثين، سواء في التحقق أو التنقيح، أو الإيضاح، وإخراج أعمال هائلة وضخمة إلى نور الوجود، حيث هذا الإنسان المتنور النهضوي، والمعاصر والحداثي، الرافض لكل أشكال الخرافة.
**
مدخل:
بالنسبة للفكر اليوناني.. إذا كان ينبغي إخضاع العالم إلى العدد وإلى القياس، فإن الطبيعة تمثل بالأحرى ما هو تقريبي، الذي لا ينطبق عليه الحساب الدقيق ولا التفكير الصارم، والعقل اليوناني لم يصنع من خلال التعاطي الإنساني مع الأشياء بمقدار ما صنعته علاقات الناس في ما بينهم، وهو لم يتطور من خلال التقنيات التي تؤثر على الكون، وإنما من خلال تلك التي تؤمن السيطرة على الآخر، والتي تعتبر اللغة أداتها المشتركة: فن السياسة والخطابة والتعليم.
إن العقل اليوناني هو الذي يسمح بطريقة وضعية وواعية ومنهجية في التأثير على الإنسان وليس في تحويل الطبيعة. إنه ابن المدينة سواء في حدوده أو في تجديداته.
يذكر أن الأسطورة من أشد حقول المعرفة غموضا وضبابية، كما يزداد هذا الغموض شدة في نظر القارئ المعاصر، لكونها تدور حول آلهة وأبطال غرباء عليه، لأنها عنده أسماء مجردة ومنفصلة.
تختصر كلمة “الميتولوجيا” اليونانية مجموع الروايات المدهشة والأساطير المنوعة، التي تدل نصوصها وآثارها الباقية على أنها حدثت في البلدان الناطقة باليونانية ووقعت بين القرنين التاسع والثامن قبل المسيح، أي الفترة التي نقلتها إلينا الأشعار (الهوميرية) المكتوبة في القرن الثالث أو الرابع بعد المسيح، وفي ذلك المجموع مادة ضخمة صعبة التحديد، متنوعة كثيرا، لعبت في التاريخ الروحاني للعالم، وما زالت تلعب دورا غير عادي على الإطلاق.
ويأتي شعب اليونان أو المجتمع اليوناني في تلك الفترات، مثله مثل باقي الشعوب في مراحل تطورها حاكت لنفسها أساطير، أي روايات مدهشة بالفعل، حملت الكثير من الروعة في سردها وانتقائها للأبطال، كما أضافت إليها بعضاً من إيمانها لتصديقها أكثر، وهي غالبا -أي الأساطير- جاءت في مجملها تحكي حياة أدّاها أو لعبتها كائنات أقوى وأرفع من البشر، تدخل مباشرة في نطاق الدين فتبدو عندها نظاماً متماسكاً لتفسير الكون وظواهره كلها.
ربما تفاوت أو اختلف السرد الملحمي الأسطوري من حضارة إلى أخرى، من التي وصلت إلينا كالهندية، والرومانية، والإغريقية وغيرهما، إلا أن النص الديني ظل مستحوذاً أو متواجداً في ترابط متين بالآلهة، وإن كانت بعض الأساطير لم ترقَ إلى درجة الدهشة، ربما لذوبانها في مظاهر التاريخ وشخوصه، وهو ما قد يقلل أو قلل من منطقيتها، وهذا وجد في كل الأساطير، إلا أنها -أي الأسطورة في اليونان- ساهمت في جميع هذه النماذج أو التنوعات، فهي حيناً تتخذ لون التاريخ فتحمل طابع النبل في المدن أو السلالات، وحينا آخر تسهم في دعم أو تفسير المعتقدات الدينية، وهكذا في غالبية الظروف، وهذا قد يعود إلى تعريفهم لكلمة أسطورة بالمعنى الحرفي، وهذا ما سأذكره لاحقا ضمن تعريفات الأسطورة.
***
في تعريف الأسطورة
والسؤال الأبرز هنا ما هي الأسطورة؟ قال أحدهم: إنني أعرف جيدا ما هي بشرط ألا يسألني أحد عنها، ولكن إذا ما سئلت وأردت الجواب فسوف يعتريني التلكؤ! هذا ما كتبه “سنت أوغسطين” في اعترافاته، وهو هنا يرجع الخطأ إلى السؤال نفسه.
وحسب مأثورة “والاس ستيفن”: هي تلك الخاصية التي تعزى إلى الشعر، مضيفا أنها تكاد تنجح في تمنعها على الإدراك، وهي ذات متاهة، لأن الأسطورة ليست سوى علم بدائي، أو تاريخ أولي أو تجسيد لأخيلة لاواعية، أو أي تفسير آخر بهذا المنحى.
وهي بالمعنى الحرفي لدى اليونان، تنطبق على كل حكاية تروى سواء كانت موضوعاً تراجيدياً أو عقدة كوميديا، أو قصة خرافة من إيزوب. إن كلمة “أسطورة” تعارض كلمة “العقلـ” (“لوغوس” اليونانية)، كما كلمة خيال تعارض كلمة منطق.
ويضيف آخر: الأسطورة هي حكاية تقليدية تلعب الكائنات الماورائيات أدوارها الرئيسية.
***
الإلياذة والادويسية والتحولات:
جميع الشعوب في فترة من تاريخها أحست بالحاجة إلى تفسير الكون، فكانت الأسطورة. واليونان كذلك كما سواها، انطلاقا من مبدأ محرك في داخل الذات، ظنوا أنهم وجدوا التفسير في الحب، فقالوا إنه في البدء كانت “نيكس” (آلهة الليل) ومعها أخوها “إيريبـ” وهما وجها الظلمة في العالم، “نيكس” في الأعالي، و”إيريبـ” في الجحيم، وهما معا جوهران يتعايشان في حضن السديم الأكبر، ولكن تدريجياً راحت “نيكس” وأخوها “إيريبـ” ينفصلان عن السديم، ولدى نزول “أيريبـ” حرر أخته “نيكس” التي تجوفت فصارت كرة كبيرة في الفلك، ما لبث نصفاها أن انفصلا كما بيضة تنشق نصفين، ليخرج منها الصوص، يومها فعلاً كانت ولادة “أيروس” (إله الحب)، وإذا بنصفي البيضة يصيران واحداً، قبة الفضاء والآخر أسطوانياً مسطحاً كوّن الأرض.
وهكذا اكتسبت الأرض والفضاء واقعاً مادياً، وصار الحب قوة طبيعتها روحية، وصار هو الذي يؤمِّن تماسك الكون الناشئ، ومن انحناء الفضاء على الأرض وجماعها بدأت السلالات الإلهية.
هما أقدم ملحمتين معروفتين في اللغة اليونانية “الإلياذة” و”الادويسية”، وقد أصبحتا من الأساطير في المعنى الواسع للكلمة، إذن فيهما مزيج متلاحم من البشري والفوق البشري، فأبطال “الإلياذة” مثلاً أسلافهم بل أهلهم من الآلهة وسلالاتهم من العائلات التاريخية العريقة! “أشيلـ” هو ابن “تيتيسر”، وهي آلهة البحر، وقدره محتوم بوحي إلهي منذ الأزل وإلى الأبد، وهذه “هيلين” رهان حرب طروادة هي ابنة “زوس”، فتشاء إرادة آلهة الحب أن تدفعها إلى ترك زوجها وابنتها حين جاء “باريس الطروادي” يلقاها في إسبارطة، وفي المعسكرين معاً يشترك الآلهة والإلهات في المعارك (أبولون) حامي باريس مهاجما بشخص أحد كهنته الذي خطف ابنته “الاشيون” يزرع الطاعون في صفوف جيشهم، وعندها “بوزييدون” و”أتينا” و”باريس” يتدخلون في الصراع وتشهد مآثر “أشيلـ” على أهمية البطل الشخصية، وكذلك على الحماية الإلهية التي تتخلى مطلقا عنه.
وكذلك هو الأمر في “الادويسية” فالنسب الإلهي هنا لـ”أوليس” وإن كان أقل رسوخاً ثمة حوله عدة أقاويل، بينها أنه الابن الحرام لـ”أوتوليكوس” ابن “هرمس”، لكن الآلهة “أتينا” تبقى هي حاميته وهي التي تنقذه من غضب وحقد “بوزييدون” إله البحر.
إذن، الملحمة اليونانية من جوهرها هي تمجيد صراعات البشر، وتعظيمهم من خلال الأسطورة إلى مستوى الكون، ورواياتها في حرفياتها تشهد على إيمان ديني عميق: فهذا مثلا “زوس” وآلهة الأولمب يتدخلون ماديا في الشؤون البشرية، فيمنحون البشر عطاءات ويهدئون أحاسيسهم ويسترضون خواطرهم، لكن تمثيل الأسطورة نفسه يتجاوز هذه المادة الضيقة، في حين يزن “زوس” في ميزان كبير أقدار “أشيلـ” و”باتر” وكل الذين يتبارزون في اقتتال فردي تحت أسوار طروادة.
الأسطورة ليست مضغوطة في تعابيرها، فهي ترسم صورة أو رمزا لحقيقة لا توصف إلا هكذا، والأسطورة إجمالاً مخبأ الفكر، آلت إلى حياة لها خاصة في وسط المسافات بين العقل، ومنها تنبع جميع تأملات اليونان، ومن بعدها تأملات أحفادهم، ومن الأسطورة استمد الشعراء المسرحيون مواضيعهم، والشعراء الغنائيون صورهم وخيالاتهم، ومن هنا “بروميتيه” و”أوديبـ” و”أورست” كانوا في الأساس أبطالاً أسطوريين، وكذلك نجد صور “أشيلـ” و”أوليس” وجنون “أجاكس” محفورة على أباريق وكؤوس وأوعية مختلفة، مما مزج الأسطورة بالحياة اليومية فصارتا متلازمتين.
حتى الفلاسفة حين بلغ المنطق ذروته، لجأوا إلى الأسطورة، كما إلى نبع معرفة يكتشف المجهول، فهذا أفلاطون في “فيدون” و”فيدر” و”المادية” و”الجمهورية”، يمتد بفلسفته حتى جذور أساطير كان هو يخترعها، ومن هنا يعتبر المؤرخون أن انتشار الأسطورة، والانفلات في تخيلها واختراعها، كانا الركيزة الأساسية التي حملتها الحضارة اليونانية القديمة إلى الفكر البشري، وبفضل هذه الحضارة سقط الرعب عن كل ما هو مقدس، وانفتحت بقعة مهمة من الذات الإنسانية، فصارت مباحة للدرس والتأمل، وبفضلها كذلك اكتسب الشعر نفحة الحكمة.
***
حياة الأساطير:
عند الإقدام على معالجة أية أسطورة إغريقية، سوف نجد في نصوصها عدداً كبيراً من المتغيرات، فنجدها حسب الصورة تتغير وتتبدل، ذلك أن الأساطير من جذورها كانت موضوع عمل دائب لم يتوقف، وهذا يعني أنها عاشت بكل ما في الحياة من تبدل وتغير وتطور مع الزمن.
لقد اجتازت الأساطير الهيلينية (اليونانية القديمة) بعد فترة تغيرها ثلاثة أزمنة مهمة، وهي: العصر الملحمي/ العصر المأساوي/ العصر الفلسفي أو “السوفسطائي”، والعصر الملحمي وهو أهم العصور على اعتباره مسرح خلق الأساطير في الزمن الأول.
إن عصراً ملحمياً كما في رواية الحرب، التي جمعت الأكيين والفرجيين في طروادة، يحوي حكماً نواة تاريخية، والمكتشفات التي وجدت في طروادة تثبت أن الحضارة الطروادية حقيقة واقعة، وتثبت وجود عدة مدن متعاقبة على قمة “هيسارليكـ”؛ إحداها على الأقل دمرها العنف، وهنا يظهر تواجد شخوص الآلهة بقوة، إما في تسيير القدر نحو النصر أو الهزيمة، أو في التدخل في مواضيع حياتية كالزواج والحرمان، ثم تتدرج النصوص أو الأساطير قليلاً قليلاً، فتنحرف من خلال تغير أسلوب السرد الأسطوري، وتغير الفكرة فتصبح مختلطة بالخرافة أو الحكاية، إلى جانب ذلك الاشتغال السردي بالحديث عن الآلهة وتصرفاتها وحركتها مثلها مثل الإنسان العادي المحسوس.
***
الأسطورة والتاريخ:
إن الوجوه الأسطورية أو حياة الأساطير منذ القدم، اتخذت واقعا حياً وتأنسنت، وفي الوقت ذاته كانت الأسطورة في توسعها إلى ملحمة أو رواية، تحمل انطباعا عن العالم وتكون شكلاً خاصا من التجربة.
إذن، فتاريخ الأساطير لا يظهر تطورا مستمرا، إذْ لكل أسطورة جذورها ومحطاتها الملحمية ودرجتها المأساوية، فهي تعكس تأثيرا مستمراً لكل شكل، فالهيمنة الكبرى مثلاً للعصر الطروادي، هي التي أمنت الاستمرار والخلود للتقاليد المنسوبة إلى “هيلين” و”أورست” و”ديوميد” وابنيه وغيرهم، والتي امتدت إلى كل قطاع الأبيض المتوسط.
الميسينية جذور الدين والميتولوجيا في اليونان
منذ أن حُلَّت رموز الكتابة الميسينية (B)، تراجع تاريخ النصوص اليونانية الأولى، التي توفرت لنا نحو 500 سنة. وهذا الإيغال للأفق التاريخي بدّل كامل الإطار الذي تقع فيه قضية أصول الفكر اليوناني.
إن العالم اليوناني الأكثر قدما كما تذكره لنا الألواح الميسينية، يتقارب في الكثير من خصائصه مع ممالك الشرق الأدنى المعاصر له، وكذلك السجلات المسمارية التي وجدت في بعض المناطق، والتي أثبتت حياة متشابهة وإنسانية قريبة، إلا أن الصورة تتغير عندما نتصدى لقراءة “هوميروس”، فثمة مجتمع آخر وعالم إنساني مختلف يكتشف نفسه في الإلياذة، كما لو أن اليونانيين لم يعودا يستطيعون منذ “هوميروس” أن يفهموا بدقة وجه الحضارة الميسينية، التي كانوا يرتبطون بها، والتي كانوا يعتقدون أنهم يبعثونها من الماضي عبر الشعراء المنشدين.
ومن هنا فإن من الضروري محاولة فهم هذه القطيعة في تاريخ الإنسان اليوناني، وتحديد موقعها بدقة، فالدين والميتولوجيا في اليونان القديمة، يجدان جذورهما بصورة مباشرة في الماضي الميسيني، كما كانت القطيعة عميقة في مجالات أخرى، فبعدما انهارت القوة الميسينية في القرن ال12 ق.م. أمام اندفاعة القبائل الدورية التي دخلت إلى اليونان القارية، لم تكن مجرد سلالة ملكية هي التي سقطت في الحريق الذي اجتاح على التوالي “بيلوس” و”ميسينا”، وإنما ثمة نمط ملكي هو الذي دُمر إلى الأبد، وثمة شكل كامل للحياة الاجتماعية المتمركزة حول القصر هو الذي زال، وشخصية (الملك الإلهي) هي التي اختفت من الأفق اليوناني.
وقد تجاوز انهيار النظام الميسيني في نتائجه، نطاق التاريخ السياسي والاجتماعي، بحيث انعكس على الإنسان اليوناني نفسه، إذ غير عالمه الروحي، وحول أوضاعه النفسانية، ومنذ ذلك الحين أدى إلى غياب الملك، في نهاية حقبة طويلة وقاتمة من العزلة، ومن عودة ما يسمى العصر الوسيط اليوناني إلى تجديد مزدوج وتضامني تجلى في تأسيس المدينة “الدولة” ونشوء الفكر العقلاني.
***
ولادة الأسطورة وتوالدها ثم تراجعها:
جاء الترميز في البداية الإنسانية من خلال تكوين الأفكار التي رافقها اتساع في الوعي، الذي حسم الأمر بالكلمات وتطويره للغة البدائية الأولى، والتي سبقها مراحل الاكتشافات والاهتداء إلى كثير من التعاملات والأفعال مع نفسه والطبيعة، فمنذ التساؤلات الأبدية للإنسان حتى الإدراك وتكوين المفاهيم بالشمولية ثم التجريد والتحديد، وهذا ما سبق الشعر والأسطورة التي أنتجت نظام الإنسان المتعدد الأبعاد، الذي لا يستطيع أن يرى نفسه خارج العالم الذي يعمل على تفسيره، ويدرك بطريقة ما أن المفسِّر والمفسَّر وجهان لعملة واحدة.
إن التميز الذي يصنعه العقل بين العالم والمدرك الإنسان، ما يلبث أن يذوب من خلال الأسطورة التي تعيد الربط بين طرفي الوجود.. الإنسان/الوعي، الكون/المادة!
أما ما يخص تراجع الأسطورة فشيء طبيعي، وإن كانت كلمة تراجع غير منطقية، لأنها أدت دوراً هاما في الحياة على اعتبار أنها أساس الفكر والتطلع، بحيث كان وما يزال من البديهي حلول البديل بنشوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والطبيعية بصورة واضحة، تقوم على التدرج والتراكم في الوعي والفكر.
المراجع:
– الميتولوجيا اليونانية (بيار غريمال)، ترجمة: هنري زغيب، الطبعة الأولى 1982، منشورات عويدات بيروت -باريس.
– الأسطورة (ك. ك. راثفين)، ترجمتة: جعفر صادق الخليلي، الطبعة الأولى 1981، منشورات عويدات بيروت -باريس.
– أصول الفكر اليوناني (جان بيار فرنان)، ترجمة: د. سليم حداد، الطبعة الأولى 1987، مجد المؤسسة الجامعية بيروت.
– آفاق الفلسفة (د. فؤاد زكريا)، الطبعة الأولى 2007، دار الوفاء الإسكندرية.
– فلسفة أولى (فلاديمير يانكلفيتش)، ترجمة: د. سعاد حرب، الطبعة الأولى 2004، مجد المؤسسة الجامعية بيروت.
– الأسطورة والمعنى (فراس السواح)، الطبعة الثانية 2001، دار علاء الدين دمشق.