النبضٌ الذي لايخفِت
المحرر السياسي إلى جوار المخرج الصحفي، والمحرر الثقافي يصافح كاتب المقال، ومسؤول القسم الرياضي يحيي المصور الفوتوغرافي. هذا المشهد ليس من داخل صالة التحرير، ولم يكن خلال اجتماعٍ لمناقشة مواد العدد القادم، بل كان مشهداً تخلل إحدى المناسبات الاجتماعية، التي تتكرر بين الحين والآخر ويحرص على حضورها جيل ما زال يهوى الكلمة ويعشق المهنة. ورغم الظروف القاسية التي مر بها هذا الجيل إلا أنه ما زال يحتفظ بإمكاناته وقدراته في كتابة المقال الجريء، وصناعة الخبر الأصيل، وإعداد التحقيق الشامل والمتزن ،وصياغة الرسالة الإعلامية بوعي ومسؤولية كاملة .
بعد عقود من العمل الدؤوب التي تخللها الصدق والإخلاص ونكران الذات، لم يتبقَّ اليوم أمام جيل كامل من الإعلاميين، الذين كان يقع على عاتقهم يوماً ما مسؤولية بناء وصياغة جزء كبير من المشهد الإعلامي في بلادنا، سوى اللقاءات والمناسبات الاجتماعية كالأعراس أو تقديم واجب العزاء في صديق أو قريب. يلتقون فيها، ويطمئنون من خلالها على بعضهم البعض ، ويستعيدون ماكان يمثل جزءاً من أحلامهم وطموحاتهم المهنية. هذا كل مابحوزتهم اليوم، ثم يفترقون بعد ذلك ، كلٌّ يجر معه همومه وآلامه.
كنا قد شرعنا في وزارة الإعلام عام 2009 بتخصيص يوم للإعلام اليمني، نحتفل به في التاسع عشر من مارس كل عام. كان محطةً نحو انطلاقة جديدة نُراجِع من خلالها ما تحقق من إنجازات، ونُقَيَّم مسار الإعلام الوطني، ونُكَرَّم كوادره ورواده الذين أفنوا أعمارهم في خدمة المهنة، ونستحث فيه الهمم لدى الجميع لتقديم أفضل ماهو ممكن لتحقيق التطلعات في تحسين وتجويد الرسالة والبيئة الإعلامية والصحفية .
لكن عواصف الأحداث جاءت بعد سنوات لتجرف كل شيء، فتوقف العمل اليومي، وافتقدت المؤسسات الإعلامية والصحفية زخمها المعتاد، وتفرقنا. اقتصر الأمر على لقاءات اجتماعية ومناسباتية قصيرة وعابرة، وعلى فترات متباعدة، وبقيت الأمنيات حبيسة الذاكرة. صار ذلك اليوم مجرد ذكرى، وأصبحت هذه اللقاءات السريعة أهم جسور التواصل المهني والاجتماعي بين أصدقاء المهنة التي جمعتهم لسنوات طويلة حتى كانوا بمثابة أسرة واحدة، يقضون أغلب أوقاتهم في مؤسساتهم أكثر مما يقضونها بين أسرهم.
أتذكر موقفاً عايشته أثناء تقديم واجب العزاء بوفاة قريب أحد الزملاء الصحافيين، ولفتني فيه نوعية الحضور؛ بحيث لو فكرت في تلك اللحظة بإصدار عدد من أعداد الصحيفة لتمكنت من ذلك بمنتهى السهولة. كان بينهم المحرر السياسي، والرياضي، والاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي، والصحي، ومحرر الأخبار، وكاتب المقال، وحتى المخرج الصحفي. فقط وفّر لهم الإمكانات الفنية في تلك اللحظة، وستجد العدد أمامك قبل أن تقوم من مقامك. كان الجميع من ذوي الخبرات المتراكمة، وممن ما زالوا يحتفظون بقدراتهم على العطاء دون كلل أو ملل، وممن لديهم طاقات متحفزة لمواصلة المشوار المهني والإبداعي.
ساد القلب في ذلك الوقت شعورٌ بأمل العودة من جديد، لكنه في الواقع كان شعوراً يختلط بالحزن، ويترك في الحلق غصة.
اليوم نلتقي على قارعة المناسبات، نتبادل نظرات تقول كل شيء ولا تنطق بحرف. قد تكون لقاءات عابرة، ولكنها تحيي ذكريات راسخة، وتشحذ همماً شامخة، وتمثل دافعاً للاحتفاظ بالأمل واستشراف المستقبل. فالمهنة لا تموت ما دام أهلها يحملونها في صدورهم، والإعلامي الحقيقي لا يتقاعد عن ممارسة مهنة عشقها حتى الثمالة.
لقد حافظت هذه اللقاءات الاجتماعية العابرة على أواصر المحبة بين زملاء المهنة، وأظهرت حجم التماسك بين أعضاء الأسرة الإعلامية والصحفية، وأبرزت أن ذلك الأداء وتلك الإنجازات ما كانت لتتحقق لولا تلك الروابط المتينة التي جمعت زملاء الحرف والكلمة تحت سقف واحد ومطبعة واحدة واستوديو واحد، ولولا الرغبة أيضاً بالنجاح والشعور بعمق المسؤولية تجاه الوطن والمهنة أولاً وقبل كل شيء.
لا بد أن نقدم للأجيال الجديدة التي تنظر إلينا نموذجاً مليئاً بالتحدي والإصرار، وأنها مهنة لا تقاعد فيها ولا توقف، بل استمرارية وطاقات فكرية وإبداعية غير محدودة ولا ترتبط بزمان أو مكان.
واللقاء في عرس أو عزاء يجب ألا يكون سقف طموحنا. نحتاج أن نعيش حياتنا بشكل اعتيادي، كأن شيئاً لم يكن، أن نلتقي، وأن يستمر التواصل وإلى جانبه العطاء ، وقودنا التفاؤل والرغبة في الحفاظ على ما تحقق وماأُُنجز. طموحاتنا وحياتنا كإعلاميين لا يجب أن تكون مرهونة لأسباب خارجة عن الإرادة، أو بظرف من هنا او هناك ، بل بإرادة من آمنوا أن الكلمة مسؤولية، وأن الأسرة الإعلامية والصحفية كالجسد الواحد. جميع أعضائها ومنتسبيها هم شهود مرحلة وليسوا ضحايا ظروف طارئة. والحكاية لا تنتهي عند التهنئة بفرحة عرس أو مشاركة في عزاء، رغم أنها من أوجب الواجبات، ولكنها ليست المهمة الوحيدة أمام صانعي الرأي العام، وحُرّاس الكلمة، وأصحاب الضمير الوطني المتقد، وفرسان مهنة المتاعب التي حلَّ قبل أيام يومها العالمي و الذي يصادف 3 مايو من كل عام والذي تم فيه الإحتفال بذكراه المئوية ، والذي لا نحتفل فيه بالكلمة فقط بل نجدد فيه العهد معها، ونستحضر من خلاله التضحيات التي قدمها زملاء المهنة في كل مكان ثمناً لإظهار الحقيقة، وللاحتفاظ بشرف الكلمة، وصيانة العهود والمواثيق التي تمثل إضاءات تحفظ خط السير المهني ليبقى في طريقه السوي بعيداً كل البعد عن الإملاءات الخارجة عن نهجه القويم. وسنظل نعاهد أقلاماً لم تجف، وصوراً لم تبهت، وزمالة لم تكسرها العواصف. سنلتقي ولو عابرين، لأننا أسرة واحدة حبرها الوفاء. قد نختلف في الرأي ولكن يجمعنا ميثاق الشرف: أن ننتقد دون تجريح، ونكتب دون ابتذال، ونرعى حقوق الآخرين، ونتجاوز عن كل زلة، ونحترم كل انتقاد بناء. وسنظل نحرس جذوتها بالود والمسؤولية الأخلاقية والمهنية، متمسكين بمبدأ اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية مهما اختلفت بيئات العمل ومهما كان حجم الصعوبات والعوائق التي تواجهها وتحاول النيل من مكانتها أخلاقياً ومهنياً.
