علي صالح الجمرة.. رجل الدولة والثقافة والإعلام

حين نكتب عن القامات الكبيرة، ندرك منذ البدء أن اللغة مهما اتسعت تظل أضيق من أن تحتوي سيرتهم، وأن الحروف مهما بلغت بلاغتها تعجز عن الإحاطة الكاملة بعطائهم وتجاربهم الثرية. لذلك لا نملك إلا أن نلتقط بعض الشذرات المضيئة من مسيرتهم، تلك التي تكشف للقارئ طرفا من عظمة حضورهم، وعمق أثرهم، وامتداد بصمتهم في الحياة العامة. والاستاذ علي صالح الجمرة واحد من تلك النماذج الاستثنائية التي يصعب اختزالها في سطور، لأن سيرته ليست مجرد وظائف ومناصب، بل تاريخ حافل بالعطاء الوطني والثقافي والإعلامي.
إنه الأستاذ علي صالح زيد الجمرة، المولود في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1945م بقرية الحضر في جبل الشرق بقضاء آنس، حيث تشكلت ملامح شخصيته الأولى في بيئة يمنية أصيلة، جمعت بين بساطة الريف وعمق الانتماء الوطني والثقافي. ومنذ وقت مبكر اتجه نحو العلم والمعرفة، فحصل على ليسانس التاريخ والحضارة من جامعة الأزهر، ثم نال درجة الماجستير في التاريخ والحضارة من الجامعة نفسها عام 1973م، قبل أن يعزز تكوينه الأكاديمي بدبلوم عام في التربية من جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية.
وقد تنوع عطاؤه بين العمل الأكاديمي والإعلامي والإداري والسياسي، فكان واحدا من أبرز الوجوه التي أسهمت في بناء الإعلام اليمني الحديث. شغل منصب المدير العام للمؤسسة العامة اليمنية للإذاعة والتلفزيون خلال الفترة الممتدة من عام 1977م وحتى 1995م، وهي مرحلة مفصلية شهدت تطورا ملحوظا في الأداء الإعلامي اليمني، كما عمل قبل ذلك مديرا عاما للإذاعة اليمنية، وأسهم كذلك في التدريس الجامعي بجامعة صنعاء، حيث حاضر في التاريخ الحديث بكلية الآداب والتربية.
ولم يكن حضوره مقتصرا على العمل الإداري والإعلامي فحسب، بل كان فاعلا في المجال البرلماني والثقافي والاجتماعي، إذ انتخب عضوا في مجلس الشعب التأسيسي منذ عام 1978م وحتى عام 1988م، وكان مقررا للجنة الثقافية والخدمات طوال فترة عضويته، كما كان من المؤسسين الأوائل لجمعية الأسرة اليمنية عام 1974م.
وفي المجال الإعلامي برز اسمه معدا ومقدما لعدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية ذات الطابع الثقافي والاجتماعي، من بينها برنامج "فنجان بن"، إلى جانب برامج إذاعية متعددة تركت أثرا واضحا في الوعي الثقافي والاجتماعي اليمني. كما أعد برامج وثائقية عن الصناعات الحرفية اليمنية جرى تبادلها مع عدد من القنوات العربية، وكتب العديد من المقالات والدراسات والأبحاث التي نشرت في الصحف والمجلات اليمنية والعربية والخليجية.
وقد مثل اليمن في العديد من المؤتمرات البرلمانية والإعلامية الدولية، مشاركا بخبرته ورؤيته في قضايا الإعلام والسياسات الثقافية، كما دعي خبيرا إعلاميا إلى ندوات اليونسكو والاتحادات الإعلامية العربية والأوروبية، وكانت له إسهامات علمية وفكرية لاقت تقديرا واسعا، ونشرت بعض محاضراته ضمن الكتب السنوية المتخصصة لاتحاد إذاعات الدول العربية.
كما ارتبط اسمه بالإشراف العلمي على عدد من الأفلام الوثائقية التي تناولت الحضارة اليمنية القديمة والإسلامية، بالتعاون مع مؤسسات إعلامية دولية كبرى، منها التلفزيون الألماني والإسباني والياباني والإيطالي، الأمر الذي يعكس حضوره المهني والثقافي الواسع، وثقة المؤسسات الدولية بخبرته ومعرفته العميقة بتاريخ اليمن وحضارته.
وعلى الرغم من المناصب الرفيعة والمسؤوليات الكبيرة التي تقلدها، ظل علي صالح الجمرة وفيا للكتاب والمعرفة، مؤمنا بأن القراءة هي سر الحيوية الفكرية وتجدد الوعي. لذلك لم تنقطع صلته بالمطالعة والبحث، وظلت مكتبته العامرة بأمهات الكتب والمراجع شاهدا على عقلية موسوعية ترى في الثقافة حياة متجددة، وفي المعرفة طاقة لا تنضب.
إنه بحق رجل المدنية والتنوير، وصوت الثقافة الهادئة، وأحد الوجوه الوطنية التي جمعت بين الرصانة الفكرية، والخبرة الإدارية، والحضور الإنساني النبيل، فاستحق أن يبقى اسمه واحدا من الأسماء التي صنعت حضورا استثنائيا في تاريخ الإعلام والثقافة اليمنية المعاصرة.
