لغز التفوق الحـ ـ ـوثي: لماذا عجزت ترسانة السلاح ونفوذ المشايخ عن صد مشروع الفكرة الواحدة؟
لا يمكن قراءة مشهد سقوط القلاع القبلية الحصينة في اليمن، وتحديدًا "حاشد" و"بكيل"، بمنأى عن التحولات السوسيولوجية والوجدانية التي سبقت المواجهة العسكرية. إن القول بأن "سلاح الدولة" هو من حسم المعركة هو تسطيح لظاهرة معقدة؛ فالحقيقة تكمن في أن الهزيمة كانت بنيوية قبل أن تكون عسكرية، وسقوط "بيت الأحمر" لم يكن إلا سقوطًا لرمزية استنفدت أغراضها التاريخية.
لقد اعتمدت قبائل اليمن تاريخيًا على ما سماه ابن خلدون "العصبية"، وهي اللحمة الوجدانية التي تجعل القبيلة كتلة صلدة، لكن في العقود الأخيرة، أصاب هذه العصبية "تذرير" حاد؛ إذ انغمس مشايخ القبائل في أرستقراطية المدينة، وتحولوا من "زعماء حرب" يشاركون أفراد قبائلهم شظف العيش، إلى "رجال أعمال" يسكنون القصور ويديرون الاستثمارات، مما خلق فجوة طبقية ووجدانية جعلت "القبيلي" البسيط يشعر بأن القتال دفاعًا عن الشيخ هو قتال من أجل "إقطاعية" لا ناقة له فيها ولا جمل، وهو ما أدى بدوره إلى برود الحمية القبلية في لحظة الحقيقة.
وفي هذا السياق، واجهت القبيلة -وهي كيان برغماتي نفعي بطبعه- تنظيمًا عقائديًا صلبًا يمتلك عقيدة قتالية مطلقة؛ فالمقاتل الحوثي يتحرك بدافع "قدسي" غيبي يرى في الموت بوابة للخلود، بينما المقاتل القبلي يتحرك بدافع "الحمية" أو "المغنم". وحين تصطدم الصلابة العقائدية بالسيولة المصلحية، تميل الكفة للعقيدة؛ لأن صاحب العقيدة لا يساوم، بينما القبيلي قد ينسحب أو "يُحايد" إذا رأى أن كلفة الحرب تتجاوز عوائدها المباشرة.
ولم يهاجم الحوثيون القبائل ككتلة واحدة، بل اعتمدوا استراتيجية "التفكيك من الداخل" وقضم الأصابع، إذ اشتغلوا لسنوات على استمالة "المهمشين" داخل النسق القبلي، واللعب على التناقضات والثارات القديمة بين الأفخاذ والبطون، وعقدوا "معاهدات صلح" منفردة مع كل مخلاف وقرية على حدة، مما أدى إلى عزلة "بيت الأحمر" عسكريًا وجغرافيًا في حرب ذكية استهدفت عزل الرأس عن الجسد، حتى وجد المشايخ أنفسهم يقاتلون في معركة بلا جنود.
كما سقطت "الهيبة" قبل أن تسقط "المتارس" عبر سياسة "الصدمة والترويع"؛ إذ تعمد الحوثيون استخدام عنف رمزي مفرط، تمثل في تفجير منازل الزعامات التقليدية (مثل بيت الشيخ الأحمر في حوث وخمري)، وفي العرف القبيلي، "البيت" هو العرض والجاه، وتفجيره يمثل إهانة وجودية تهدف إلى إحداث حالة من "الشلل النفسي" لدى بقية القبائل، فكانت الرسالة واضحة: "إذا سقطت حصون كبار القوم، فماذا تملكون أنتم؟"، مما دفع الكثيرين لإيثار السلامة أو الانحناء للعاصفة.
علاوة على ذلك، كان لغياب المشروع السياسي الجامع أثر حاسم؛ فبينما كان التنظيم الحوثي يتحرك وفق "مشروع" شمولي ومنظم، كانت القبيلة تقاتل بعقلية "رد الفعل" المشتت، وافتقر الخصوم (بيت الأحمر وعلي محسن) إلى القدرة على تحويل الثقل القبلي إلى "جيش شعبي" منظم، بل ظلوا يديرون المعركة بعقلية "الوساطات" و"التحشيد اللحظي"، وهي أدوات تقليدية لم تعد تجدي نفعاً أمام تنظيم مليشياوي متمرس على حرب العصابات ويمتلك تراتبية قيادية صارمة.
إن هزيمة قبائل "حاشد" و"بكيل" لم تكن بسبب نقص في الرجال أو العتاد، فمخازنهم كانت تئن تحت وطأة السلاح، بل كانت نتيجة إفلاس في "المعنى" وانكسار في الإرادة؛ لقد انتصرت "المنظمة" المحتشدة خلف فكرة، على "القبيلة" المشتتة خلف مصالح شيوخها، وسقطت القبيلة ككيان سياسي لأنها فشلت في تجديد "عصبيتها"، واصطدمت بخصم يمتلك فائضًا من القوة العقائدية واستراتيجية تدمير الخصم من الداخل قبل الخارج.
